فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 249

ـ والعقل له إمكانيات هائلة ولذلك فالإنسان مغرور به ويظن أنه يفعل به المخترعات والأعاجيب بفضل عقله وينسى أن الله هو الذي صنع له هذا العقل، وبالتالي ما يصنعه الإنسان من مخترعات كالسيارة هو من صنع الله تعالى، ففي تفسير الطبري: (( وقوله {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل إبراهيم لقومه: والله خلقكم أيها القوم وما تعملون، وفي قوله {وَمَا تَعْمَلُونَ} وجهان: أحدهما: أن يكون قوله"ما"بمعنى المصدر، فيكون معنى الكلام حينئذ: والله خلقكم وعملكم، والآخر أن يكون بمعنى"الذي"، فيكون معنى الكلام عند ذلك: والله خلقكم والذي تعملونه: أي والذي تعملون منه الأصنام، وهو الخشب والنحاس والأشياء التي كانوا ينحتون منها أصنامهم، وهذا المعنى الثاني قصد إن شاء الله قتادةُ بقوله: الذي حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} : بِأَيْدِكُمْ ) ) [1] ، والأشياء مسخرة لتستجيب للإنسان وتنفعه وليس هو الذي يسخرها في الإغراض التي يريدها، كما أنه لا يصنع الشيء من العدم بل يستفيد مما في الأشياء من مزايا التسخير، فعقل الإنسان ليس ملكا له كما آن عقله ناقص وعاجز أمام علم الله، وهذا معناه مطلق الخضوع والاستسلام لله تعالى.

ـ والطعام الذي تأكله ليس ملكا لك ولم تحضره من كدك وتعبك إنما هو ملكا لله وهو الذي أنعم به عليك، وكذلك الملابس التي تلبسها هي ملكا لله وليست ملكا لك وقد أنعم الله بها عليك، لذلك ففي الحديث: (( من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن لبس ثوبا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ) ) [2] ، فإذا قال هذا الدعاء وهو يشعر أن هذا الطعام فعلا أطعمه الله به وما يلبسه إنما كساه الله به من غير كده وتعبه ومن غير حول منه ولا قوة فإن الله يغفر له ذنوبه، وهو عندئذ قد حقق الشعور بأن الله هو المالك وبأن له صفات الإنعام فيخضع له ويحبه ويطيعه، فالأصل أن كل الناس جائعين والله يطعمهم، عراه والله يكسيهم، ضالين والله يهديهم، ففي الحديث القدسي: (( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ) ) [3] .

ـ لذة ملئ البطن ولذة إخراج المني هي نعم من الله على الإنسان يجب أن يشكره عليها ويستعمل هذه النعم ليس كما هو يريد ولكن في إطار الحدود التي وضعها الله وبلا إسراف.

ـ الجاه والمنصب ملك لله: المنصب والجاه رزق مثلما المال رزق وليس من أخذك بالأسباب وكدك وتعبك أو الحصول علي شهادة (وكذلك المكانة العلمية رزق من الله تعالى) .

ـ العائلة: الذي يجعل العائلة لها إسم كبير وشرف وجاه هو المنصب لمَنْ فيها أو المال لمَنْ فيها أو الممتلكات وكل ذلك هو ملك لله تعالى.

ـ والعلم يملكه الله: (( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) [4] ، (( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شيئا ) ) [5] ، فالعلم والحكمة نعم يؤتيها الله للإنسان: (( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا ) ) [6] ، (( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ ) ) [7] ، فمن الناس من يعبد عقله فهو يظن أنه يصنع الكثير من وسائل التقدم العلمي والتكنولوجيا بعلمه فيظن أن لا أحد أعطاه هذا العلم وأنه اكتسبه من نفسه وأنه هو الذي سخر هذه الأشياء لصالحه وليس أنها مسخرة ومجهزة لخدمة الإنسان.

ـ الإنسان نفسه ملك لله تعالى لأن الله خالقه، وخالق الشيء فهو يملكه.

ـ فما عند بعض الناس من مال أو جاه أو جمال ... الخ هو في الحقيقة نعم من الله عليهم وليس شيئا من عند أنفسهم، لذلك لا تجب محبتهم لما عندهم، وبالتالي من الولاء والبراء ألا تحب الناس لما عندهم من الدنيا ولكن لما عندهم من الدين، فيكون قدر محبتك للإنسان بقدر ما عنده من الدين وقدر بغضك له بقدر بعده عن الدين.

(1) تفسير الطبري [جامع البيان في تأويل القرآن] ـ مؤسسة الرسالة (21/ 70)

(2) تحقيق الألباني: حسن (انظر حديث رقم: 6086 في صحيح الجامع)

(3) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 4345 في صحيح الجامع)

(4) البقرة: من الآية 216

(5) النحل: من الآية 78

(6) الإسراء: من الآية 85

(7) البقرة: 269

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت