ـ إن الغرض الأصلي من وجود النار في الدنيا هو أنها تذكرة لنار الآخرة: (( نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ) ) [1] ، ولو كانت نار الآخرة كذلك لكفت، ففي الحديث: (( ناركم هذه التي توقدون جزء واحد من سبعين جزءا من حر جهنم، قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال فإنها فضلت بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها ) ) [2] .
ـ لو كانت الشمس هي نار الآخرة لكانت كافية، فيمكن أن نتخيل أن الشمس هي نار الآخرة، فإذا رأينا مدى حجمها وشدة نارها بحيث أنها يمكن أن تبتلع الأرض ومن عليها ولا يمثل ذلك من حجمها سوى واحد على مليون من حجمها، وشدة نارها تصل إلى ملايين الدرجات المئوية، وحر الصيف الذي نعيشه هو مجرد اقتراب بسيط جدا من الشمس فنحن على مسافة هائلة منها، فالشمس عبارة عن كتلة هائلة من النار معلقة في الفضاء ونحن على الكرة الأرضية ندور حول هذه الشمس في دورة كل عام، فإذا ما تصورنا حجم هذه النار ووجودها وأننا ندور حولها وأثرها الواصل إلينا فيمكننا أن نتصور مدى خطورة نار الآخرة الأكثر شدة والتهابا.
ـ وحيث أن وجود هذه الشمس التي هي نار معلقة في الفضاء أمر عجيب وخارق للأسباب حيث أنها لا تقع وحيث أنها بهذه الشدة والالتهاب وحيث أنها ما زالت موقدة ولم تنطفئ على مدى مليارات السنين من قبل خلق البشر أساسا، فما بالك إذن بنار الآخرة.
ـ وجميع النجوم مثل الشمس عبارة عن نار هائلة معلقة في الفضاء، ومنها ما هو أضخم من الشمس ملايين المرات، وهذه النجوم ما هي إلا عبارة عن زينة للسماء فانظر إلى مدى قدرة الله تعالى.
ـ ونار الآخرة موجودة الآن وبالطبع هي أضخم من كل هذه النجوم.
ـ الشعور بمدي عذاب وألم النار:
ـ إذا ذهبت إلى قسم الحرائق بأحد المستشفيات ونظرت كيف تفعل النار في الجسم، بماذا تشعر؟، وهذا بعد أن حدث الحريق فما بالك لو رأيت حادثة ما فيها أحدًا يحترق، وما بالك إذا كنت أنت المصاب في هذه الحادثة؟، إن أهل النار يسمع لجلودهم أزيز من الاحتراق مثلما توضع الدجاجة في النار لتشوي، فما بالك لو أنك أنت في مكان هذه الدجاجة، إذا لم يتحقق عندك الشعور بالخوف من مهابة النار ومن الوقوع فيها فإن النار في مشاعرك لا تنفع ولا تضر مثل النار التي وضع فيها سيدنا إبراهيم عليه السلام، فإن نار الآخرة في الاقتناع النظري عذابها شديد أما نار الآخرة في مشاعر البعض فإنها نار لا تحرق قد سلبت منها خاصية الإحراق، فنار الآخرة لا وجود لها في مشاعر البعض.
ـ ومما ورد في عذاب أهل النار ما جاء في تفسير ابن كثير: (((ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) .. قال ابن عباس: {فاسلكوه} تدخل في أسته ثم تخرج من فيه ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوى )) [3] ، وفي تفسير القرطبي: (( وقال مقاتل لو أن حلقة منها وضعت على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص، وقال كعب إن حلقة من السلسلة التي قال الله تعالى {ذرعها سبعون ذراعا} أن حلقة منها مثل جميع حديد الدنيا، فاسلكوه قال سفيان بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه ) ) [4] ، وفي الحديث: (( لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه ) ) [5] ، وفي الحديث: (( إن في النار حيات أمثال أعناق البخت يلسعن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفا، إن فيها لعقارب كالبغال الموكفة يلسعن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفا ) ) [6] ، وفي الحديث: (( لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن تكون طعامه ) ) [7] .
ـ الشعور بضآلة آلام الدنيا أمام ألم النار:
(1) الواقعة: 73
(2) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 709، برقم 2589)
(3) تفسير ابن كثير ـ دار طيبة للنشر والتوزيع (ج: 8، ص: 216)
(4) تفسير القرطبي [الجامع لأحكام القرآن] ـ دار الكتب المصرية - القاهرة (ج: 18، ص: 272)
(5) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3668)
(6) حديث صحيح (السلسلة الصحيحة برقم 3429)
(7) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 5250 في صحيح الجامع)