فُلأن هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ، فَيَقُولُ لاَ مَا أَصَابَنِى نَعِيمٌ قَطُّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا وَبَلاَءًا، فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ غَمْسَةً في الْجَنَّةِ، فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً فَيُقَالُ لَهُ أي فُلأن هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ أو بَلاَءٌ فَيَقُولُ مَا أَصَابَنِى قَطُّ ضُرٌّ وَلاَ بَلاَءٌ )) [1] .
ـ العاقل عليه أن يتخيل أنه الآن موجود داخل نار الآخرة سواء لذنوب يتطهر منها أو لأنه لم يحقق الإيمان ويتذكر ما كان في الدنيا من آلام ولذات ومشاغل الدنيا فان كل ذلك في نظره لا يساوي شيئا، فالذنب الذي يعتبره بسيط عقابه الآن شديد جدا داخل النار، وعدم تحقيق الإيمان عقابه الخلود الدائم داخل هذه النار وهي تلتهم وجهه وجلده وتشويه كما تشوى الدجاجة داخل النار، ولكن هذا التذكر بعد فوات الأوان: (( يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ) ) [2] ، وكذلك عليه أن يتصور انه الآن موجود داخل الجنة ويتذكر ما كان في الدنيا من آلام ولذات ومشاغل الدنيا فان كل ذلك في نظره لا يساوي شيئا، فالمتع التي كان الناس يتمنونها في الدنيا ويتقاتلون عليها هي الآن موجودة أمامه مضاعفة فهذه شهوات النساء من الحور العين وهذه القصور والخمور والمتع التي لا تنتهي، ويتذكر انه لو ازداد في الطاعة لارتقى في درجات أعلى، ولكن هذا التذكر بعد فوات الأوان.
ـ فالمشكلة أن رد فعل الإنسان وانفعالاته ومشاعره لا تتناسب مع حجم الألم أو اللذة الشديدة جدا فوق كل التصورات، فالجنة فيها متع ونفع كبير جدا فوق كل التصورات لكن الإنسان لا يشعر بلذة الشوق تجاهها، وإذا كان عنده شعور بلذة الشوق لها فلا يتناسب أبدا مع حجم المتع والملذات الهائل جدا الذي يفوق كل التصورات.
ـ والنار فيها ضرر كبير جدا فوق كل التصورات لكن الإنسان لا يشعر بألم الخوف من مهابتها وألم الخوف من دخولها، وإذا كان عنده شعور بألم الخوف منها فلا يتناسب أبدا مع حجم الضرر والألم الهائل جدا الذي يفوق كل التصورات.
ـ بل إن الإنسان مهما كان يقينه ففي يوم القيامة سوف يكتشف أن حجم الألم أو اللذة كان يفوق كل تصوراته عندما يرى الملائكة ويرى الجنة والنار ويجد أن الدنيا قد انتهت وأنها ليست بشيء على الإطلاق!، فهو عندئذ يعلم الحقيقة واضحة ولكن بعد فوات الأوان، فالناس في غفلة فإذا ماتوا انتبهوا، ففي اللحظة التي يموت فيها الإنسان فإنه يرى الملائكة ويرى الأهوال ويعلم أنه كان في الدنيا أعمى لا يرى شيئا والآن أصبح يرى وأنه كان أحمقا لا عقل له والآن أدرك الحقائق ولكن لا يستطيع أن يعود ولو لحظة واحدة، فالغافل يرى أمر الآخرة بعيد جدا ولا يعلم أنه في لحظة واحدة مفاجأة مباغتة من ليل أو نهار يأتيه عذاب الآخرة فورا: (( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أو نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ(50) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ )) [3] .
ـ الله سبحانه له قدرات هائلة جدا فوق كل التصورات ولو اجتمع البشر جميعا لا يستطيعوا أن يصنعوا شيئا ولو بسيطا مما يصنعه الخالق كأن يخلقوا ذبابة مثلا، وعلم الله بكل شيء حتى ما سيكون ومقدرته على كل شيء، ولكن الإنسان لا يشعر بالانبهار والإعجاب والحب لهذه الصفات الخارقة التي تصل إلى الكمال ولا يشعر بالخوف من مهابة هذه القدرات، ولو كان الإنسان عاقلا لمات من شدة الحب لله ولمات من شدة الخوف من مهابة الله تعالى ولمات من شدة الخوف من عقابه بالنار المحرقة التي يفوق ألمها كل التصورات، ولمات من شدة الشوق والرجاء في ثوابه بالجنة بما فيها من المتع والحور العين والخمور والملذات التي تفوق كل التصورات.
ـ وجميع آلام الدنيا وملذاتها ليست بشيء أمام الآخرة ورغم ذلك تتفاعل معها مشاعر الإنسان وانفعالاته في حين لا تتفاعل وتتأثر بالغيبيات، فذلك يدل على حماقة الإنسان وعدم وجود اليقين الحقيقي بالغيبيات رغم وجود اليقين النظري التام بالغيبيات.
ـ تصور أنك تقف الآن على أرض المحشر في الآخرة أو أنك الآن داخل جنة الآخرة أو أنك الآن داخل نار الآخرة، أنت الآن فقط تعرف قيمة الدنيا وأنها بكل ما فيها من لذات وآلام لم تكن سوى لعب ولهو، وأنت الآن تدرك أن الناس الذين يعيشون في الدنيا في غفلة تامة عن الآخرة وأن الآخرة خطر هائل جدا فوق كل تصورات الناس، وأنت تدرك الآن أن الأمور معكوسة تماما فكل تفكير الناس ومشاعرهم وأعمالهم هي في أمور الدنيا وأنت تقول أهؤلاء أغبياء لا عقل لهم!.
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجه ج:2، ص: 1445، برقم: 4321)
(2) الفجر: 23
(3) يونس: 50، 51