ـ الإنسان العاقل هو الذي لا يحتاج إلى أن يذهب للآخرة لكي يصدق بكل هذا الخطر ويشعر به ولكي يصدق بأن الدنيا ما كانت إلا لعب ولهو، وإنما هو يستطيع أن يدرك ذلك بعقله وهو ما زال في الدنيا وهذا هو المؤمن الذي وعده الله بالجنة.
ـ تصورات الناس مهما بلغت لا تتناسب أبدا مع حجم الخطر الهائل في الآخرة الذي يفوق كل التصورات ولا يتناسب أبدا مع حجم تفاهة الدنيا التي ليست إلا لعب ولهو، والإنسان الموضوع داخل نار الآخرة يدرك ذلك تماما ولكن بعد فوات الأوان، وكذلك الإنسان الموجود داخل جنة الآخرة يدرك مدى تفاهة شهوات الدنيا التي يتقاتل عليها الناس.
ـ إعادة ضبط العقل:
ـ إذا علم الإنسان كيف تتم الوظيفة الطبيعية للتفكير في الإنسان قد يكتشف أن تفكيره غير سليم وأنه في حاجة إلى عقل جديد أو في حاجة إلى إعادة ضبط عملية التفكير من جديد فيستعيد عقله بعد أن مات عقله: (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إليه يُرْجَعُونَ ) ) [1] ، (( لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ) [2] .
ـ قد يحتاج الإنسان إلى أن يعيد الكشف على عقله ليعرف هل عقله سليم ويعمل بصورة سليمة أم عقله مريض؟، والمفاجأة أن الإنسان قد يكون عبقريا من علماء الذرة ورغم ذلك قد يكون عقله مريض، وقد يبذل الإنسان عشرون سنة في التعليم وعشرون أخرى فيما يكتسبه من خبرة في عمله حتى يرتقي بخبرته إلى أعلى المناصب ولكن في الحقيقة قد يحتاج إلى أن يعود إلى الوراء أربعون عاما ليكتشف أنه لا يعرف أبجديات الحياة التي يتعلمها الطفل وأن عقله لا يعمل بصورة سليمة، فهو لا يزال لا يعرف حقيقة الأشياء من حوله، فلا يعرف ماذا تعني كلمة (شجرة) ولا يعرف ماذا تعني كلمة (شمس) ولا يعرف ماذا تعني كلمة (موت) ولا يعرف ماذا تعني كلمة (خالق) ولا يعرف ماذا تعني كلمة (آخرة) وهكذا، فلو عرضنا هذه الكلمات على خطوات عمل العقل الطبيعي وخطوات تعامل الإنسان مع المعلومات فعندئذ قد يكتشف الإنسان أنه لم يكن عاقلا.
ـ فمثلا كلمة (شجرة) تعني خروج كائن حي من بذرة ميتة وتعني تحول الطين إلى خشب وثمار ومن غير أن نرى أحد يقوم بهذه الأمور الهائلة، وهذه الأمور فوق قدرة الإنسان وفوق قدرة الشجرة نفسها فهي إعجاز خارق للأسباب، فلابد أن الذي يقوم بهذه الأمور لا نراه ولابد أن له من القدرة الهائلة فوق قدرة الإنسان، فهو يقدر على أن يحي الموتى ويقدر على تحويل الطين إلى طعام مقصود به الإنسان، وهذا معناه شعور بالتحير والذهول والانبهار من مدى قدرة الخالق، وشعور بالضعف والعجز أمام قدرته، فالضعيف يخاف من القوي ويخضع له ويعجب بقوته فيحبه ويرجو أن يعطيه ويتطلع إلى رؤيته والتذلل له، فيحدث الخوف والخضوع والحب والرجاء والشوق إلى لقاء الله وينشأ عن ذلك طاعة أوامره إذا علمها، فهذا هو معنى كلمة (شجرة) إذا نظر إليها العاقل فأدرك ماذا تعني وما حقيقتها وما وراءها، أما الذي ألف النظر إلى الأشجار ولم يتصور حقيقتها ولم يشعر بالتحير مما يحدث فيها من العجب ومن قدرة الخالق العجيبة الهائلة ولم يشعر بالخضوع والضعف والعجز عن القيام بهذا الأمر ولم يشعر بالقلق والخوف من عجب الأمر ولم يشعر بحب الإعجاب لقدرة الصانع فهو لم يفقه ويفهم ويعقل ماذا تعني كلمة شجرة، وهكذا.
ـ وبهذا المفهوم فالفصل الخامس هو بيان لمعنى كلمة (خالق) ، والفصل السابع هو بيان لمعنى كلمة (الآخرة) ، والفصل الثامن هو بيان لمعنى كلمات: الملائكة والرسل والقرآن.
ـ ما فائدة أن يرى الإنسان الأشياء أو أن يسمع الكلام والمعلومات التي تصل إلى أذنيه إذا لم يكن يعقل ما يراه وما يسمعه، فهو عندئذ كأنه لا يسمع وكأنه لا يرى، لأنه لا يسمع سماع فهم وتدبر ولا يرى الشيء فيعي حقيقته، لذلك فالناس قسمين هما الذين يسمعون (أي الذين يفهمون ويعقلون) والذين لا يسمعون (وهم الذين لا يعقلون) : (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إليه يُرْجَعُونَ ) ) [3] .
ـ التعامل الصحيح مع المعلومات:
(1) الأنعام: 36
(2) يس: 70
(3) الأنعام: 36