خارقة للأسباب هي التي أحدثت ذلك الأمر، وعندئذ تشعر أن هناك قوة قاهرة تهيمن على كل شيء وتسيطر علي كل شيء سيطرة كاملة وهيمنة كاملة وعلى الجميع الاستسلام والخضوع الكامل للخالق، كما تؤدي إلى شعور بالخوف من هذه القدرة الهائلة الخارقة للأسباب، فالإنسان ينظر إلى الأشياء بعين الأسباب فيجد أن وراء كل سبب سبب آخر، فإذا استمر في النظر اكتشف عجز هذه الأسباب عن تفسير الأمر، وبالتالي فهناك يد خفية وراء هذه الأسباب، فيشعر بالخضوع ِلمَنْ هو مسبب الأسباب: (( ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ) ) [1] ، أما التوقف عند الحدود المادية للأسباب يجعل الإنسان يشعر أن الأسباب هي التي أوجدت وصنعت وخلقت هذه الأمور، وإن كان مقتنعا نظريا أن الخالق هو الذي أوجدها، فيعيش بمشاعره في دنيا الأسباب، دون أن تخرج مشاعره عن التعلق بالأسباب، فينبغي أن تكون نظرة الإنسان إلى كل شيء على هذا النحو.
ـ فالمشكلة أننا نتوقف عند الأسباب ونفسر حدوث كل شيء بالأسباب العلمية ونتجاهل عدم مقدرة الأسباب عن تفسير الأمر، فمثلا خروج النبات من الأرض هو معجزة وأمر خارق للأسباب ولكننا نفسر أي عملية تحدث في النبات لوجود شيء معين هو الذي يؤدي إلى ذلك، وإذا سألنا عن سبب وجود ذلك الشيء نكتشف أن هناك شيء آخر أدى إليه وهكذا حتى نصل إلى أن العلم يعجز عن تفسير ذلك الأمر، هنا نكتشف أن القضية كلها خرق للأسباب وأن هناك قوة خارجية هي التي تصنع ذلك الأمر، والمشكلة أننا لا نترك أنفسنا نصل إلى عجز العلم عن تفسير الأمر ونتفكر في هذه النقطة لكن تفكيرنا يتوقف عند حدود الأسباب العلمية.
ـ وهكذا في أبسط وأوضح آيات الله المنظورة وهي السماء من فوقنا فيها نجوم عالية لا تقع علينا، فتفسير ذلك عندنا هو وجود قوى طرد مركزي مع وجود قوى جذب مثلا، ثم نسأل ما سبب قوى الطرد والجذب هذه فيقولون لوجود أشياء معينة، وما سبب هذه الأشياء المعينة، وهنا يعجز العلم عن تفسير الأمر، فنستنتج أن عدم سقوط النجوم هو إعجاز وأمر خارق للأسباب، وهذا ما يستنتجه الإنسان الفطري بمجرد النظر في السماء بدون معرفة النظريات العلمية، وهكذا ينظر الإنسان الفطري إلى الزرع وكل شيء من الذرة إلى المجرة فيراه إعجاز فهو موجود أو مصنوع بكيفية دقيقة جدا لا يمكن أن تنشأ من داخل ذلك الشيء فلابد من وجود قوة خارجية لها مقدرة هائلة وعلم كبير بحيث تستطيع أن تصنع هذا الشيء.
ـ فمثلا: الإنسان مولود من أمه، وأمه من جدته وهكذا، فلابد أن أول بشر موجود من لا شيء، وهذا أمر لا يقدر عليه أحد إلا من يستطيع أن يخرق الأسباب فهو الخالق، كما أن الأشياء المصنوعة جاءت من خامات، وهذه الخامات من خامات أخرى، فلابد أن هناك خامات أو أشياء بدأت من العدم، وهذا لا يقدر عليه غير الخالق سبحانه، فالإنسان لا يستطيع إيجاد نفسه، والأشياء لا تستطيع إيجاد نفسها.
ـ فالأسباب هي قوانين مخلوقة لا تنفع ولا تضر، فهذه القوانين عند البشر فقط وليست عند الله، فالبشر لا يستطيع أن يلغي الأسباب ولكن الله يستطيع أن يلغي الأسباب لأنه هو الذي خلقها ووضعها.
5ـ عجز علم الشيء نفسه عن معرفة الإنسان ومعرفة ما يفيده وإيجاد ما يفيده:
ـ فمثلا أشجار الفاكهة لمن تخرج هذه الفاكهة؟، إنه أمر مقصود ليتناوله الإنسان، وهل تدري هذه الأشجار بالإنسان، ولماذا تقصد وتعد له هذه الفاكهة المناسبة لتكون طعاما له؟، وكيف تستطيع أصلا أن تصنع هذه الفاكهة وهي من مادة مختلفة تماما عن مادة البذرة ومادة الأرض التي نبتت منها؟، إن هذه الأشجار لا يمكن أن يكون لها هذا العقل الهائل وهذه القدرة الهائلة، إذن لابد من وجود قوة خارجية قاصدة مريدة هي التي أرادت لهذه الشجرة أن تُكَوِّن هذه الفاكهة وتصنعها للإنسان، فإن الله أراد ذلك فقال تعالى: (( وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ(34) لِيَاكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ )) [2] .
ـ وأيضا البقرة لمن تخرج هذه الكمية من اللبن الزائدة عن حاجة أولادها، هل البقرة تعي الإنسان وتريد له ذلك؟ طبعا لا، وهل أصلا تستطيع البقرة وتفهم هذه المصانع المعقدة في جسمها والتي تقوم بتصنيع ذلك اللبن؟ طبعا لا، إذن لابد من وجود قوة خارجية قاصدة مريدة هي التي أرادت ذلك فقال تعالى: (( نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا
(1) الملك: 4
(2) يس: 34، 35