فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 249

ـ وبدل أن يشكر الإنسان الله أن أذن له أن يأكل ويقضي شهوته بالحلال وأعطاه النعم يتنعم بها فإنه يكفر بنعمة الله تعالى حيث يستصغرها ويرجو الاستزادة.

ـ أراد الله أن تكون الدنيا والشهوات على عكس حقيقتها، فيكون لها ظاهر يوحي بأنها متع هائلة في حين حقيقة ما فيها من المتع ضئيل، وذلك للاختبار فمن استعمل عقله نظر إلى حقيقتها فلم ينخدع بها، ومن عطل عقله وتناسى حقيقتها انخدع بها وغرته بزينتها الظاهرية الواهية ثم لا يجد فيها متاعا.

ـ تناسي حقيقة ضعف الإنسان:

ـ الإنسان ضئيل القيمة أوله نطفة مذرة (أي نطفة لا قيمة لها ولا حياة فيها) وآخره جيفة قذرة، وهو بين ذلك يحمل العذرة (أي يحمل في أمعاءه البراز النتن أثناء حياته) ، (( كما ورد أن بعض الأمراء لقي بعض البله في طريق فلم يفسح له، فغضب وقال: كأنك ما تعرفني؟ فقال بلى والله! إني لأعرفك، أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة ) ) [1] ، (( فتفكر فيما قال ابن السماك للرشيد وقد دعا بحضرته بقدح فيه ماء ليشربه، فقال له: يا أمير المؤمنين فلو منعت هذه الشربة بكم كنت ترضى أن تبتاعها؟، فقال له الرشيد: بملكي كله، قال: يا أمير المؤمنين فلو منعت خروجها منك بكم كنت ترضى أن تفتدي من ذلك؟، قال: بملكي كله، قال؟ يا أمير المؤمنين أتغتبط بملك لا يساوي بولة ولا شربة ماء! ) ) [2] ، ويقول الشاعر: نسي الطين يوما أنه طينا فصال تيها وعربدا.

ـ فالإنسان ضعيف: (( أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) ) [3] ، (( هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شيئا مَذْكُورًا ) ) [4] ، ومما يدل على ضعف الإنسان أنه ينام فذلك من صفات النقص.

ـ والإنسان له قدرة محدودة على التمتع بملذات الدنيا، فمثلا لو أكثر من الطعام والشراب أو الجماع لقلت متعته.

ـ ومن عرف ضآلة نفسه وضآلة الدنيا فقد عرف عظمة الله وعرف خطورة الآخرة، وفي نظم الدرر للبقاعي: (( رأس الفسق الجهل بالله، ورأس العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس، فأعرف الناس بنفسه أعرفهم بربه «من عرف نفسه فقد عرف ربه» ) ) [5] .

ـ فالإنسان ضعيف في حد ذاته، فقليل من المرض يمكن أن يقضي عليه أو يجعله يعيش حياته يعاني من الإمراض، والإنسان يحتاج إلى الهواء والطعام والشراب والنوم لأنه بغير ذلك يضعف ويموت، كما أنه يكون ضعيفا في مرحلة الطفولة وفي مرحلة الشيخوخة، والإنسان لا يستطيع أن يدفع عن نفسه أو أن يمنع نفسه من الابتلاءات والمحن، فهو يعيش حياته لا يدري ما يصنع به، أما الخالق سبحانه فلا ينام ولا يحتاج إلى طعام أو شراب ولا يحتاج إلى من يعينه سبحانه، وذلك قدرة كبيرة لا يستطيعها الإنسان مهما حاول، ولكن الإنسان يتناسى ذلك ويعيش مغرورا بنفسه وبزينة الدنيا الخادعة ومغرورا بستر الله عليه.

ـ الشهوات ذات متعة ضئيلة لسببين:

1ـ بالمقارنة بشهوات ومتع الجنة فتصبح هذه الشهوات مجرد اسم فقط وليست بشهوات.

2ـ هي في حد ذاتها ضئيلة لأن قدرة الإنسان على الانتفاع بها ضئيل، وهذه الشهوات مزينة بمظهر خادع جدا بحيث تبدو للناظر على أنها لها متعة هائلة وبالتالي كأن لها قيمة كبيرة، ولكن إذا كان الإنسان عاقلا ذو بصيرة فإنه يراها على حقيقتها.

ـ اليقين الحقيقي بضآلة الدنيا:

(1) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ـ دار الكتاب الإسلامي، القاهرة (ج: 6، ص: 35)

(2) الأخلاق والسير ـ دار الآفاق الجديدة - بيروت (ج: 1، ص: 8)

(3) يّس: 77

(4) الإنسان: 1

(5) نظم الدرر للبقاعي ـ دار الكتاب الإسلامي، القاهرة (ج: 19، ص: 460)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت