ـ كل الناس مسافرون إلى الآخرة ولقاء الله تعالى رغما عنهم سواء رضوا بذلك أم لم يرضوا، وكل الناس ذاهبون إلى الموت رغما عنهم، والفرار من الآخرة ومن لقاء الله ومن الموت وتناسي ذلك وتجاهله لن يفيدهم شيئا.
ـ اليقين الحقيقي بالآخرة وبلقاء الله وبالموت هو الشعور بذلك، أي الشعور بأنك مسافر إلى الآخرة وإلى لقاء الله وإلى الموت، ومن شعر بذلك فإنه يعيش معيشة المسافر المستعد للرحيل: (( فَفِرُّوا إلى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) ) [1] ، أي حاله حال الذي يسارع ويفر إلى لقاء الله تعالى.
ـ فالدنيا دار غربة نحن الآن مسافرون منها عائدين إلى وطننا وأهلينا، فنحن الآن مسافرون سفر العودة والرجوع وليس سفر الذهاب بعيدا عن الوطن والأهل، فوطن الإنسان وأهله هو في الآخرة وليس في الدنيا، فمثلا الذي يسافر من بلده مصر إلى السعودية هو سفر ذهاب بعيدا عن الأهل، وهو لا يريد السفر إلى السعودية إلا مؤقتا وفي ذهنه العودة إلى أهله، أما سفر العودة والرجوع هو أنه موجود في السعودية ويريد أن يسافر سفر العودة إلى مصر حيث بلده وأهله، وهذا هو السفر المقصود، ففي تفسير البغوي: (( {إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى} أَيِ المرجع في الآخرة ) ) [2] .
ـ ويمكن تشبيه ذلك بأن إنسانا ركب سيارة أجرة ليصل إلى مكان ما، دخل السيارة فوجد فيها ركاب آخرين مثله، ربما يتحدث معهم أو يتعرف على أحد منهم، وعندما يصل إلى المكان الذي يريده ينزل من السيارة ويترك الركاب الموجودين فيها، فالركاب الموجودون داخل السيارة هم الناس الموجودون في الدنيا، والإنسان مهما تعامل معهم فليسوا أهله ولكنهم غرباء مسافرين مثله، وعندما ينزل من السيارة لا يشعر بألم الفراق لأنه لا تربطهم به سوى أنه تقابل معهم أثناء الطريق.
ـ فينبغي أن تشعر أنك الآن في دار الغربة، والأصح أن تشعر بأنك الآن أثناء السفر منتقلا من دار الغربة إلى مكان الإقامة والمعيشة فأنت عابر سبيل، ففي الحديث: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور ) ) [3] ، و (أو) في الحديث بمعنى (بل) للإضراب أي كن في الدنيا كأنك غريب بل عابر سبيل.
ـ التعامل مع الدنيا على أنها دار سفر وليست دار إقامة:
ـ أولا: عمل العقل: وهو أن يعقل الإنسان حقيقة أنه مسافر أي لا يتناسى أنه مسافر رغم اليقين النظري التام بأنه مسافر، ويشمل ثلاثة أمور هي:
1 ـ التصور: تصور قيمة الدنيا باعتبار أنها دار سفر.
2 ـ الشعور بالقيمة: ويشمل الشعور بخطورة أننا مسافرون والشعور بمعني الخلود في الآخرة والشعور بأن الدنيا دار مؤقتة والشعور بأن الدنيا دار تعب وشقاء والشعور بالموت والشعور بلقاء الله ومحاسبته للعبد والشعور بخطورة اقتراب الآخرة واقتراب الموت وقصر الحياة في الدنيا.
3 ـ انشغال الهموم: ويشمل الشعور بالترقب والشعور بالغربة والشعور بأننا نعيش تحت المراقبة.
ـ ثانيا: عمل المشاعر: ويشمل الشعور بخوف المهابة من اقتراب الرحيل عن الدنيا واقتراب الآخرة، والشعور بخوف المهابة من لقاء الله ومحاسبته للعبد والشعور بخوف المهابة من الموت.
ـ ويشمل أيضا الشعور بخوف المهابة من أننا نعيش تحت المراقبة ومن خطورة أن الدنيا دار اختبار ومن خطورة الامتحان ومن خطورة الدنيا على أنها فرصة ذهبية لا تعوض لتحصيل الزاد.
ـ ثالثا: عمل الجوارح: فيكون عمل الإنسان مثل عمل الغريب الذي يعيش وسط غرباء في بلد الغربة، أو يكون عمله مثل عمل عابر السبيل المسافر المستعد للرحيل وهو أثناء سفره يتقابل مع غرباء مسافرين مثله، فيعيش الإنسان معيشة الغريب أو المسافر أو عابر السبيل، ولا يكون عمله مثل عمل المقيم.
(1) الذاريات: 50
(2) تفسير البغوي [معالم التنزيل في تفسير القرآن] ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (5/ 281)
(3) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 567، برقم: 2333)