وإلى نعيمها ولذاتها شمر الموفقون، {وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} فلا ينتفعون بالآيات القرآنية، ولا بالآيات الأفقية والنفسية، والإعراض عن الدليل مستلزم للإعراض والغفلة عن المدلول المقصود، {أُولَئِكَ} الذين هذا وصفهم {مَاوَاهُمُ النَّارُ} أي: مقرهم ومسكنهم التي لا يرحلون عنها )) [1] .
ـ والشعور بترقب لقاء الله والآخرة ورد في القرآن بمعنى الرجاء للقاء الله والآخرة، ففي التفسير المنير: (( {مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ} أي يأمل ويطمع في لقائه وثوابه وجزائه في الجنة ) ) [2] ، وفي تفسير أبي السعود: (( {وارجوا اليوم الاخر} أي توقَّعوه وما سيقعُ فيه من فُنون الأهوالِ ) ) [3] .
ـ وعدم الشعور بترقب لقاء الله والآخرة يعبر عنه بعدم الرجاء: (( بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ) ) [4] ، (( وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا ) ) [5] .
49ـ شغل التفكير بكل أمور الدين ما عدا معرفة الله والآخرة!:
ـ لا يمكن أن يتحقق الشعور بالخضوع والخوف من الله إلا إذا شعر الإنسان بقوة الله وضعف نفسه، ولا يمكن أن يتحقق الشعور بحب الله إلا إذا شعر الإنسان بعظمة الله وإنعامه عليه، أي لا يمكن أن يتحقق الشعور بالخضوع والخوف والحب لله إلا إذا عرف الإنسان الله والآخرة معرفة حقيقية، أما إذا تناسى الله والآخرة فلن تتحقق هذه المشاعر، وكيف يقوم الإنسان بالدين وينسى أصل الدين الذي هو معرفة الله تعالى.
ـ فهذه صورة من صور الهروب من الخضوع، وهي نسيان الله والآخرة وغياب الشعور بالخضوع لله مع القيام بباقي أمور الدين!.
ـ والطبيعي أن الطاعة تنشأ من معرفة الله ومن الخضوع له والخوف منه ومحبته لكنه يتكلف الطاعة ويصطنعها، فأصبح الإنسان يعيش ولا وجود حقيقي للغيبيات في ذهنه ومشاعره، فأصبح دنيويا لا يتعدى تفكيره إلى ما وراء ذلك وتحولت العبادات إلى شيء أقرب إلى التراث أو العادات لأنها فقدت معناها الذي نشأت منه.
ـ وظيفة العقل الأساسية هي معرفة الله، فمن استخدم عقله وشغل باله بكل شيء عدا معرفة الله تعالى فهو بذلك يعطل عقله، ففي صفوة التفاسير: (( [وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة] أي خلق لكم هذه الحواس لتسمعوا وتبصروا وتفقهوا، وفيه توبيخ للمشركين حيث لم يصرفوا النعم في مصارفها، لأن السمع خلق ليسمع به الإنسان ما يرشده، والبصر ليشاهد به الآيات الكونية في الآفاق، والعقل ليتأمل به في مصنوعات الله وباهر قدرته، فمن لم يصرف تلك النعم في مصارفها، فهو بمنزلة فاقدِها، كما قال تعالى: [فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء] ) ) [6] .
ـ فالدين ليس فقط عمل الجوارح، ولكنه أيضا شعور بعظمة الله والخوف منه والخضوع له والتوكل عليه وشعور بالآخرة والخوف منها.
50ـ الران (عدم المبالاة بأوامر الدين إشارة إلى عدم المبالاة بالدين) :
ـ المقصود بعدم المبالاة بأوامر الدين ليس الوقوع في المعاصي ولكن عدم الشعور بقيمة أوامر الدين كأنها قضية غير مهمة.
ـ أي يعصي ولا يندم على ما فعل ويصر على المعاصي فتزيده المعاصي جرأة على الله حتى يختفي الخوف من الله نهائيا، وتزيده المعاصي في محبة الدنيا حتى تختفي محبة الله نهائيا، وتشغل المعاصي
(1) تفسير السعدي [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان] ـ مؤسسة الرسالة (1/ 358)
(2) التفسير المنير للزحيلي ـ دار الفكر المعاصر - دمشق (20/ 186)
(3) تفسير أبي السعود [إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم] ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (7/ 39)
(4) الفرقان: 40
(5) الفرقان: 21
(6) صفوة التفاسير ـ دار الصابوني - القاهرة (2/ 239)