45 ـ التخفي وراء الحجج المصطنعة:
ـ يصطنع لنفسه حجج واهية ليقنع نفسه بغير الحق بصورة متكلفة رغم علمه النظري التام بالحق، فمثلا هو لا يرى ميتا عاد إلى الحياة فيعتبر ذلك دليلا على عدم البعث رغم أنه يرى الإنسان حيا بعد أن كان نطفة ميتة لا روح فيها، ويرى النبات حيا بعد أن كان بذرة ميتة لكنه يوقف عقله عن التفكير، ولو أراه الله رجلا عاد بعد الموت لقال إنه سحر، إذن هو سوف يظل يصطنع ويلفق المبررات الواهية، حتى لو أنه رأى المعجزات أمام عينه فسيقول أريد معجزات أخرى أكبر وأريد أن أرى الله والملائكة، فهو يقنع نفسه بحجج واهية لكي يهرب من الخضوع: (( وَقَالُوا مَهْمَا تَاتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) ) [1] .
ـ وإذا أضطر لمواجهة المتحدث ومجادلته اصطنع هذه الحجج الواهية وأغلق عقله عليها، فلا يسمع لإجابة المتحدث: (( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ(78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ )) [2] .
46ـ تجاهل التجاهل! (نسيان النفس) :
ـ الإنسان يعلم أنه على الباطل ويتناسى ذلك، والمنافق يعلم أنه منافق ويتناسى ذلك، فهو يرى أن ما عنده من كفر ونفاق ليس كفرا ونفاقا ولكنه أمر بسيط غير مهم رغم علمه النظري بأن ما عنده هو كفر ونفاق، فهو يتناسى ما يعلمه عن نفسه ولا يواجه نفسه.
ـ فالذي يتجاهل الآخرة والدين يعلم أن ذلك يدخله النار ولكنه يتجاهل الأمر ولا يفكر فيه، كما أنه يتجاهل النار رغم يقينه النظري بوجودها.
ـ لذلك يخاف الإنسان على نفسه أن يكون من المنافقين حيث يتناسى إعراضه عن الله والآخرة، ويتناسى أنه بذلك من المنافقين
ـ فالإنسان الغافل يعلم أنه غافلا ولكنه يكون غافلا عن أنه غافل!.
ـ ففي التفسير المنير: (( {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْها، وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ} أي لا أحد أظلم ممن أعرض عن آيات اللّه، ونسي ما قدم من الكفر والمعصية، أو لا ظلم أعظم من كفر من يشاهد الآيات والبينات الدالة على الحق والإيمان، ثم يعرض عنها، ومع إعراضه عن التأمل في الدلائل والبينات يتناسى ما قدمت يده من الأعمال المنكرة والمذاهب الباطلة، وعلى رأسها الكفر باللّه، والمراد من النسيان التشاغل والتغافل عن كفره المتقدم ) ) [3] أي أنه يتشاغل عن كفره ويتناساه ويحسب أنه من المهتدين.
ـ لذلك جاءت الرسل إلى الناس يتعجبون من عدم خوف الناس من الله رغم علمهم أن الله حتما سيعاقبهم على تغافلهم عن الله وشركهم: (( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ) ) [4] ، ولذلك جاءت الرسل للناس لتقول لهم: (ألا تتقون) أي ألا تخافون عاقبة شرككم: (( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ(105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ إلا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ )) [5] .
ـ فالإنسان يعلم أن ما يفعله فيه الضرر لنفسه ولكنه يتناسى ذلك وهو ينظر إلى ظاهر الأمر من الزينة الخادعة، ففي أيسر التفاسير: (( {ولكني أراكم قوما تجهلون} : أي حظوظ أنفسكم وما ينبغي لها من الإِسعاد والكمال ) ) [6] .
ـ الإنسان إذا كان مصابا بمرض ما فإنه يعلم بعقله أنه مريض ما عدا مرض واحد لا يعلم بعقله أنه مريض هو إذا كان عقله نفسه هو المريض، لذلك فالذي لا يعقل لا يعلم بأنه لا يعقل ويظن أنه من العاقلين: (( ألا إنهم هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ) ) [7] .
47 ـ الكفر هو هروب من الله والدين والخضوع:
ـ الكفار الذين يعبدون الأصنام ويكذبون بالبعث ويأتون بالحجج الواهية على أنهم على الحق، هم في الحقيقة عندهم يقين نظري بربوبية الله وعندهم يقين نظري بتوحيد الله وعندهم أيضا يقين نظري بألوهية الله، فهم يعلمون بأن الإله لابد أن يعبد ويعلمون أنه لابد أن يخضعوا لله ويعلمون أنه لابد أن يطيعوا الله، فهم يوقنون نظريا بكل شيء في الدين، لكنهم لا يحبون الخضوع ويريدون أن يعيشوا معيشة الحر الذي يفعل ما يشاء وليس معيشة العبد لسيده، وهم لا يستطيعون أن يقنعوا أنفسهم بأن الدين باطل، وبالتالي يلجأوا إلى حيلة الهروب من الدين، فهم لا يبتعدوا عن الدين لأنهم ضد الدين فيرونه خطأ، وإنما لا يريدون الخضوع ويريدون الشهوات فيهربون من الدين ويتناسونه ولا يفكرون فيه، ويشغلون عقولهم بغير ذلك حتى يأتيهم الموت.
ـ وقد سبق أن أوضحنا في العنصر السابق أن الحجج التي يأتي بها الكفار هم يعلمون أنها مجرد خدع ليستخفوا وراءها وهم غير مقتنعين بها.
ـ فالكفر معناه أنه وضع ساترا أو غطاءا بينه وبين المتحدث، أي وضع ساترا أو غطاءا بينه وبين الله أو بينه وبين الحق أو بينه وبين الدين، فكلمة"الكفر"في اللغة معناها الستر أو الغطاء وليس معناها رفض الدين بعدم الإقتناع به، ففي أساس البلاغة: (( كفر الشيء وكفّره: غطّاه، يقال: كفر السحاب السماء، وكفر المتاع في الوعاء، وكفر الليل بظلامه، وليل كافر. ولبس كافر الدروع وهو ثوب يلبس فوقها، وكفرت الريح الرّسم، والفلاح الحب، ومنه قيل للزرّاع: الكفار ) ) [8] ، وفي المغرب في ترتيب المعرب: (((الْكَفْرُ) فِي الْأَصْلِ السَّتْرُ يُقَالُ كَفَرَهُ وَكَفَّرَهُ إذَا سَتَرَهُ )) [9] .
48ـ عدم الشعور بالترقب والانتظار للقاء الله والآخرة (ليس همه وهدفه) :
ـ الكافر يوقن بصدق دعوة الرسل وما أخبروا به من وجود الآخرة: (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) [10] ولكنه يتناسى الآخرة فيعاقب يوم القيامة على تناسيه الآخرة: (( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ) ) [11] ، فيقينه بالآخرة هو يقين نظري فقط وليس يقينا حقيقيا لأنه يتناسى الآخرة ولا يرجوها ولا يترقبها ولا ينتظرها ولا يشغل همه بها وليست هدفه ويتعامل مع الدنيا على أنها دار إقامة وليس كدار سفر وفيها تتحقق أهدافه فالآخرة ليست هدفا يترقبه ولا يعيش حياته بناءا على أنه يلقى الله، رغم اليقين النظري التام بالآخرة، فهو يرضى بالدنيا على أنها داره.
ـ أما المؤمن فيعيش حياته يعد نفسه للآخرة على أمل أن يلقى الآخرة فيجد الثواب، فعندما يذهب إلى الآخرة لا يكون الأمر مفاجئا له وإنما هو أمر كان يتوقعه وينتظره طوال عمره، فهو يعيش حياته رجاء الآخرة، أي من أجل الآخرة، فهو يعيش حياته وعنده رجاء وأمل وتوقع وانتظار اللحظة التي يصل فيها إلى الآخرة، فهمه مشغول باليوم الذي يلقى فيه الله تعالى والآخرة، فذلك هدفه.
ـ وفي تفسير السعدي: (( يقول تعالى {إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} أي: لا يطمعون بلقاء الله، الذي هو أكبر ما طمع فيه الطامعون، وأعلى ما أمله المؤملون، بل أعرضوا عن ذلك، وربما كذبوا به {وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بدلا عن الآخرة، {وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} أي: ركنوا إليها، وجعلوها غاية مرامهم ونهاية قصدهم، فسعوا لها وأكبوا على لذاتها وشهواتها، بأي طريق حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت ابتدروها، قد صرفوا إرادتهم ونياتهم وأفكارهم وأعمالهم إليها، فكأنهم خلقوا للبقاء فيها، وكأنها ليست دار ممر، يتزود منها المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الأولون والآخرون،
(1) الأعراف: 132
(2) يس: 78، 79
(3) التفسير المنير للزحيلي ـ دار الفكر المعاصر - دمشق (15/ 282)
(4) الأنعام: 81
(5) الشعراء: 105 - 108
(6) أيسر التفاسير للجزائري مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، السعودية (ج: 5، ص: 59)
(7) يونس: 100
(8) أساس البلاغة ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت - لبنان (2/ 140)
(9) المغرب في ترتيب المعرب ـ دار الكتاب العربي (1/ 411)
(10) الأنعام: من الآية 33
(11) السجدة: 14