ـ والناس أمامهم أمرين هما:
1 ـ الاعتراف بعبودية القهر والملك، أي الاعتراف بأنهم عباد لله خاضعين له، أي الشعور بالخضوع، وينشأ عن ذلك محبته وطاعته، وهذه عبودية خاصة بالمؤمنين، فمن استشعر حقيقة أنه واقع تحت سلطان الله وأنه عبد مقهور واستشعر أن قدرة الله فوق قدرته فإنه يرضى بذلك ويعترف أنه عبدا لله تعالى.
ـ فقوة الإنسان وإرادته ليست بشيء أمام قوة الله وإرادته، وإذا أراد الله أن ينسف قوة الإنسان وإرادته لفعل، فالإنسان العاقل يعلن استسلامه لقوة الله وإرادته.
2 ـ عدم الاعتراف بعبودية القهر والملك، أي عدم الاعتراف بأنهم عباد لله خاضعين له، أي عدم الشعور بالخضوع، رغم وجود اليقين النظري التام بأنهم عباد لله خاضعين له، وهذه عبودية عامة، فهو يرفض أن يعترف بأنه يعيش عيشة الذل والخضوع، ويتصور أنه حر لا يذل لأحد ولا يعيش كأسير أو خادم يلبي أوامر سيده، فلا يريد أن يلغي إرادته ورغباته وشخصيته المستقلة ويعيش تابعا منهزما تحت إرادة متكبر عليه قاهر له.
ـ الهروب من الخضوع:
ـ الذي يهرب من الموت هو في الحقيقة لا يستطيع الهروب منه، لكن المقصود من الهروب من الموت هو أنه يتجاهله ويتناساه كأنه لن يموت، فكذلك الهروب من الخضوع، فكل الناس خاضعين لله بالقهر، لكنه يتناسى خضوعه لله بالقهر فهو بذلك يهرب من الخضوع، وهذا من الغباء، لأنه يكون كالنعامة التي تدفن رأسها في التراب حتى لا يراها الأعداء!
ـ الإنسان إما أن يعيش حياة الهارب من الله المتغافل عنه كأنه لم يسمع عنه، وذلك بأن يتلهى عن الله بالدنيا، فهو يتلهى ويتشاغل: (( مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) ) [1] ، وإما أن يعيش حياة السير إلى الله.
ـ الشعور بوجود الخالق معناه أن يخضع الإنسان له، والذين لا يريدون الخضوع يعطلون عقولهم فيتناسون الخالق حتى لا يخضعوا، وبعضهم قد يزين لنفسه حجة واهية وهي أنه لا يرى الله: (( وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا ) ) [2] .
ـ ولو أنزل الله لهم آيات مباشرة أمام أعينهم لما آمنوا أيضا، لأن القضية هي أنهم لا يريدون الخضوع: (( وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ) ) [3] ، (( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ(14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ )) [4] .
ـ الشعور بمدى قوة الله أمام قوة الإنسان:
ـ كل الناس يعلمون أن قوتهم لا شيء أمام قوة الله، ولكن هذا لا يزيد عن كونه يقين نظري فقط، فلو شعر الإنسان بمدى قوة الله فقد يخر مغشيا عليه ويعيش حياته خائفا مرعوبا.
ـ فمهما كانت قوة الإنسان فلن يستطيع أن يحرك جبل من الجبال، ولو سقط الجبل على الإنسان لأهلكه، فالإنسان ضعيف، هذا بالنسبة للجبل، فما بالك بالكرة الأرضية الهائلة، وما بالك بالشمس التي يمكن أن تبتلع مليون من الكواكب أمثال الكرة الأرضية، وما بالك بالمجموعة الشمسية ككل، وما بالك بالكون الهائل، وما بالك بالكرسي والعرش، ففي الحديث: (( ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل
(1) الأنبياء: من الآية 2،3
(2) الفرقان: 21
(3) الأنعام: 25
(4) الحجر: 14، 15