فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 249

ـ فالدنيا هي دار فرار والآخرة هي دار القرار: (( فَفِرُّوا إلى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) ) [1] ، فالمسلم يعيش حياته مثل الهارب الذي يفر من العدو الذي يطارده ويلاحقه ويتربص به فهو دائما في حالة فرار إلى الله، إذن أنت واقع الآن في خطر وعليك أن تفر من هذا الخطر، والفرار هو الجري السريع بعيدا عن العدو في خوف لأنه لو أدركك لقتلك، فأنت واقع في خطر هو الشيطان والدنيا، وعليك أن تفر أيضا من الله إلى الله لأنه شديد العذاب لأنه لن ينجيك من عذابه ومن الشيطان ومن الدنيا إلا الله سبحانه، وعن مالك بن دينار قال: (( إن الله جعل الدنيا دار مفر والآخرة دار مقر فخذوا لمقركم وأخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، ففي الدنيا حييتم ولغيرها خلقتم؛ إنما مثل الدنيا كالسم أكله من لا يعرفه واجتنبه من عرفه، ومثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل يحذرها ذوو العقول ويهوي إليها الصبيان بأيديهم ) ) [2] ، ولاحظ أن الآية لم تقل واجه العدو ولكن قالت: (فَفِرُّوا إلى اللَّهِ) ، فلا تكن من المتنافسين على الدنيا المتهالكين عليها ودعهم يتنافسون عليها، فهؤلاء مثل الكلاب المسعورة تتنافس على جيفة قذرة!، ففي تفسير البحر المديد: (( الاستعاذة الحقيقية من الشيطان هي الغيبة عنه في ذكر الله أو شهوده، فلا ينجح في دفع الشيطان إلا الفرار منه إلى الرحمن، قال تعالى: {ففروا إلى الله} ، فإن الشيطان كالكلب، كلما اشتغلت بدفعه قوي نبحه عليك، فإما أن يخرق الثياب، أو يقطع الإهاب، فإذا رفعت أمره إلى مولاه كفه عنك، وقد قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه: عداوة العدو حقًا هو اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو، فاتتك محبة الحبيب، ونال مراده منك ) ) [3] ، وفي تفسير اللباب: (( {ففروا إلى الله} أي فاهربُوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة، قال ابن عباس(رضي الله عنهما) : فروا منه إليه واعملوا بطاعته، وقال سهل بن عبد الله: فروا ممَّا سوى الله إلى الله )) [4] .

ـ الشعور بمعني الخلود في الآخرة:

ـ قارن بين قصر العمر في الدنيا وطول العمر الأبدي في الآخرة (( أَفَرَأيتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) ) [5] ، فالعمر ما هو إلا يومان يوم ذهب وباقي يوم وفي الحديث: (( الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إلى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ ) ) [6] .

ـ الخلود في الآخرة ليس أمر بسيط يمكن أن نمر عليه مر الكرام، فالخلود في النار معناه أن يظل الإنسان في العذاب داخل النار ليس لمدة ساعة ـ وإن كان ذلك مروع جدا ـ وليس لمدة يوم كامل، ولا لمدة شهر ولا سنة ولا مائة سنة ولا مليون سنة ولا مليار سنة ولكن للأبد من غير أن يموت، فمقارنة ذلك بأيام الدنيا وآلامها تكون الدنيا لحظات، حتى لو عاش الإنسان في الدنيا مائة عام تكون لحظات تمضي سريعة، وكذلك الخلود في نعيم الجنة وملذات الجنة ليس لمدة يوم ـ وإن كان ذلك غاية في المتعة ـ وليس لمدة شهر ولا سنة ولا مائة سنة ولا مليون سنة ولا مليار سنة ولكن للأبد من غير أن يموت، فمقارنة ذلك بأيام الدنيا ومتاعها الضئيل تكون الدنيا لحظات، حتى لو عاش الإنسان في الدنيا مائة عام تكون لحظات تمضي سريعة، لذلك من شعر بمعنى الخلود في الآخرة لم يهتم بالدنيا وما فيها وانصرف همه عنها ولم يعبأ بما يلقاه فيها من ألم أو نعيم، ولذلك من انشغل همه وفكره ومشاعره بالدنيا على حساب انشغال همه وفكره ومشاعره بالآخرة فهو لا يؤمن بالخلود في الآخرة إيمانا حقيقيا، وإيمانه بالآخرة عندئذ هو إيمان نظري فقط، لأنه لو شعر بالخلود في الآخرة لما انشغل بالدنيا عن الآخرة، وكذلك الحال لمن شعر بالمقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وبين آلام الدنيا وآلام الآخرة فإنه عندئذ لا يعبأ بآلام الدنيا ولا بنعيمها.

ـ إن كل شيء منتهي فهو ضئيل، وكل شيء خالد فهو عظيم، فالدنيا زائلة ومنتهية وليس فيها خلود، والمتع والشهوات التي تنتهي لا قيمة لها، ولكي يشعر الإنسان بذلك يسال نفسه: وماذا بعد أن يأكل ويشرب وينام ويعمل ويتمتع ويقوم بأمور الدنيا؟، فالإجابة أن كل ذلك إلى زوال وبعد ذلك القيامة.

ـ قال مالك بن دينار: (( لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى فكيف والآخرة من ذهب يبقى والدنيا من خزف يفنى؟ ) ) [7] .

ـ فمهما حقق الإنسان في الدنيا من طموحات، ومهما حصَّل من نعم في الأموال وفي المناصب وفي المتع والملذات فكل ذلك ضئيل القيمة لأن كل ذلك مصيره إلى الزوال ويُحرم الإنسان منه بعد ذلك، فعلى الإنسان أن يسال نفسه: وماذا بعد أن يحقق الطموحات؟ إن كل شيء سوف يفنى، فالشيء الذي يفنى مهما كان عظيما فإنه ضئيل القيمة لأنه يفنى، أما المتع في الآخرة فهي باقية، ولو عاش الإنسان في الدنيا ألف سنة فلا تعادل لحظة من عمره اللا نهائي في الآخرة.

ـ وكذلك فآلام الدنيا ضئيلة لأنها فانية، وآلام النار في الآخرة عظيمة وخطيرة لأنها أبدية.

ـ كما أن نعيم الدنيا ليس فقط يفنى بالموت ولكن قد يفنى لأي سبب آخر كمرض أو ابتلاءات.

ـ الشعور بأن الدنيا دار مؤقتة:

ـ هذه الحياة التي نعيشها هي حياة كاذبة وخادعة وليست بحياة وإنما هي طريق والناس في الطريق ليس لهم بيوت يسكنونها أو حياة يعيشونها وإنما هم يأكلون في السيارة التي يسافرون فيها وينامون فيها وهم جالسون على الكراسي داخل السيارة، فليست لهم سرائر ينامون عليها وليس لهم متسع من المكان أو متسع من الوقت، لكن الأحمق يعيش في السيارة كأنها بيته وكأن مَنْ فيها أهله رغم أنهم مجرد مسافرين مثله تقابل معهم.

ـ إن الذي يوقن يقينا حقيقيا بالآخرة فإنه يرتب أموره على أساس أنه سيموت، فيرتب ترتيبات الموت، أي يعيش حياته الدنيوية في الإعداد لما بعد الموت وتجهيز حقائبه للسفر ويستعد نفسيا لاستقبال الحياة الجديدة الحقيقية لأنه يوقن بأن هذه الحياة الدنيوية ما هي إلا مرحلة انتقالية لا أكثر، فينصب همه في إعداد الزاد الذي ينفعه في الآخرة، أما المئونة التي يحتاجها أثناء الطريق فهي كيفما اتفق.

ـ الشيطان يزين للإنسان أن الحياة في الدنيا طويلة، وأن الستين سنة (مثلا) التي يحياها في الدنيا أعمار طويلة، وينسيه الموت، فيزين له الدنيا كأن فيها الخلود وأن فيها السعادة: (( فَوَسْوَسَ إليه الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [8] .

ـ قد يتكاسل الإنسان عن إعداد نفسه للآخرة ويترك الدنيا تشغله رغم أن الهدف من وجوده في الدنيا هو أن يعد نفسه للآخرة، وسوف يظل حاله غدا مثل حاله الآن، فالسنين تسرق عمره دون أن يدري والدنيا ستظل تشغله، وسيبقى الوضع الذي هو عليه الآن كما هو بعد عشرين سنة، فلابد أن توقف الآن انشغال مشاعرك بالدنيا، وتسأل نفسك هل أنت مستعد الآن لو جاءك الموت للقاء الله؟.

ـ من الناس مَنْ يأكل ويشرب ويتمتع بقدر ما يستطيع لأنه إذا فاته الطعام والشراب والمتع فلن يجد طعاما غيره ولا متعا غيرها حيث لا يشعر أن هناك طعاما آخر ومتعا أخرى وحياة أخرى في الآخرة، وفي الحديث: (( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) ) [9] ، ولذلك يقول ابن مسعود: (( الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له ) ) [10] ، وكما يقولون في المثل: (الدنيا أشغال شاقة وآخرتها الإعدام) ، فهو لا يشعر أن الطعام والمتع والحياة الحقيقية في الجنة، ولا يشعر أن هذه الحياة التي نعيشها كاذبة: (( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخرة لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ) [11] ،"الحيوان"أي الحياة الحقيقية وفي الآية: (( يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) ) [12] أي لحياته في الآخرة، فإن الآخرة هي الحياة الحقيقية، أما الحياة الدنيوية التي نعيشها الآن فهي حياة مؤقتة، ويمكن تسميتها بمرحلة ما قبل الحياة، أو بالمرحلة التي يعيشها عابر السبيل، أما الذي يشعر أن الآخرة هي الحياة الحقيقية فإنه لا يكون حريصا علي ألا يفوته طعام الدنيا أو متعها لأنها مؤقتة، وإن فاتته فهناك في انتظاره طعام آخر

(1) الذاريات: 50

(2) صفة الصفوة ـ دار الحديث، القاهرة (ج: 2، ص: 168)

(3) البحر المديد ـ الناشر: الدكتور حسن عباس زكي - القاهرة (ج: 3، ص: 163)

(4) اللباب في علوم الكتاب ـ دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان (ج: 18، ص: 103)

(5) الشعراء: 205 ـ 207

(6) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 3115 في صحيح الجامع)

(7) أضواء البيان ـ دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع ـ بيروت - لبنان (ج: 8، ص: 504)

(8) طه: 120

(9) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 562، برقم 2324)

(10) الزهد ـ ابن أبي الدنيا ـ دار ابن كثير، دمشق (ج: 1، ص: 29)

(11) العنكبوت: 64

(12) الفجر: 24

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت