هو المستكبر وهو يلجأ إلى تعطيل عقله لأنه يعلم نظريا أنه صحيح، وإما أن يفكر في الأمر ويعقله أولا فيخضع، وهذا هو التصرف الصحيح.
ـ ففي حاشية الشهاب: (( المسارعة إلى التكذيب مأخوذة من قوله:(لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) فإن التصديق والتكذيب بالشيء ينبغي أن يكون بعد العلم به والإحاطة بكنهه ومعرفة مآله ومرجعه وإلا كان مسارعة إليه في غير أوانه )) [1] .
ـ وفي تفسير روح المعاني: (((بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ) ذم لهم بالمسارعة إلى تكذيب الحق قبل التأمل والتدبر والاطلاع على الحقيقة )) [2] .
ـ وفي تفسير البحر المحيط: (((بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) قال الزمخشري: (بل كذبوا) بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجأوه في بديهة السماع قبل أن يفهموه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويفقهوا تأويله ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم )) [3] .
ـ وفي التفسير القرآني للقرآن: (( وفي قوله تعالى: «وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا» إشارة إلى أنهم لم ينظروا في آيات اللّه، ولم يعرضوها على عقولهم، بل واجهوها بالبهت والتكذيب، ورموها بالسخرية والاستهزاء، من قبل أن ينظروا فيها ) ) [4] .
ـ وفي التفسير المنير: (( بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ، فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أي إن كفار قريش في الحقيقة كذبوا بالقرآن وبنبوة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم الثابتة بالمعجزات، أنهم كذبوا(بالقرآن وبالنبوة) بمجرد تبليغهم به من قبل الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم، من غير تدبر ولا تفكر ولا إمعان نظر، فهم في أمر دينهم في أمر مختلط مضطرب، يقولون مرة عن القرآن والنّبي: ساحر وسحر، ومرة: شاعر وشعر، ومرة: كاهن وكهانة، فهم في قلق واضطراب ولبس، لا يدرون ماذا يفعلون، كما قال تعالى: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات 51/ 8 - 9] )) [5] .
2ـ سبب رفض دعوة الرسل الغرور بالنفس وبالدنيا:
ـ فالإنسان له عقل مغرور به، فهو يستطيع أن ييسر لنفسه أمور الدنيا، وهو لا يشعر أن أمور الدنيا مسخرة للإنسان جعلها الله تحت طوع الإنسان، فالإنسان يظن أن البشر هم الملوك على هذه الأرض، خاصة مع وجود العلم المادي الحديث الذي صنع التكنولوجيا الهائلة وصنع رفاهيات للإنسان وأمور هائلة ما كان يحلم بها، فالإنسان مغرور بما لديه من علم الطب والهندسة وغيرها، فقد يظن الإنسان أن هذا العلم هو من عقله وليس لأحد فضل عليه بذلك، فيظن أنه قوي بما عنده من العلم وليس بضعيف، والقوي لا يخضع لأحد، إنما الخضوع يكون من الضعيف للقوي، لذلك عندما جاءت الرسل لتخبره أن ما لديه من عقل إنما هو ملك لله وليس ملكا له لأن كل شيء ملك لله وخلْقُه، وما لدى هذا العقل من قدرة على العلم فالله الذي صنعها، وبالتالي ما ينشأ عن هذا العلم من خير للإنسان في الدنيا إنما هو نعم من الله على الإنسان، وبالتالي فالإنسان لا يملك شيئا وهو عاري من كل شيء فهو ضعيف وعليه أن يخضع لله ويشعر بأن كل شيء هو نعم وعطاء من الله، لكنه اغتر بعقله وبنفسه فرفض أن يشعر بالخضوع والذل لله.
ـ ففي تفسير مفاتيح الغيب: (( فرحوا بما عندهم من العلم ... يجوز أن يكون المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كما قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غافِلُونَ [الروم: 7] ، ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [النجم: 30] فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات وهي معرفة اللّه تعالى ومعرفة المعاد وتطهير النفس عن الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزؤا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ففرحوا به ) ) [6] ، وفي التفسير القرآني للقرآن: (( قوله تعالى: «ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ» أي ذلكم الذي أنتم فيه من بلاء وعذاب في الآخرة، هو بسبب ما كنتم عليه في الدنيا من غرور بما ملكتم فيها، وزهو وعجب بما بين
(1) حاشية الشهاب الخفاجى على البيضاوى ـ دار صادر - بيروت (5/ 29)
(2) روح المعاني ـ دار الكتب العلمية - بيروت (6/ 117)
(3) البحر المحيط ـ دار الفكر - بيروت (6/ 59)
(4) االتفسير القرآني للقرآن ـ دار الفكر العربي - القاهرة (10/ 294)
(5) التفسير المنير للزحيلي ـ دار الفكر المعاصر - دمشق (26/ 284)
(6) مفاتيح الغيب ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (ج: 27، ص: 535)