فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 249

أيديكم من زخرفها ومتاعها، فصرفكم ذلك عن أن تنظروا إلى ما وراء يومكم الذي أنتم فيه، فقطعتم حياتكم في فرح ومرح، ولهو وعبث )) [1] أي فرح غرور بالدنيا كأنهم هم الذين جلبوا متع الدنيا لأنفسهم فهي ملكهم وهو أقوياء بذلك فاستكبروا عن الشعور بالخضوع لله القوي فمصيرهم النار باستكبارهم.

ـ إذن سبب الفرح هو شعور الإنسان بأنه مالك الشيء وبأنه هو الذي أوجده وعدم شعوره بأن الله هو المالك لهذا الشيء وهو الذي خلقه وأوجده، والدليل على ذلك أن قوم قارون عندما قالوا له: (لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) قال لهم: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) .

3ـ الذي لم يكن معه مال ثم حصل على مال يظن أنه هو الذي أوجد المال لنفسه بجهده وليس الله، ويظن أنه هو المالك لهذا المال وليس الله، وهكذا في باقي النعم، رغم اليقين النظري التام بأن كل شيء هو من الله وملك له وأنها نعم وبأن الله هو الرزاق والمالك لكل شيء.

ـ ففي تفسير ابن جزي: (( {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} [فصلت: 50] {لَيَقُولَنَّ هذا لِي} أي هذا حقي الواجب لي، وليس تفضلا من الله ولا يقول هذا إلا كافر، ويدل على ذلك قوله: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ) ) [2] ، وفي تفسير القاسمي: (( {لَيَقُولَنَّ هذا لِي} أي حقي نلته بعملي، لا بفضل من الله جحدا للمنعم ) ) [3] ، وفي تفسير البحر المحيط: (( {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} أَيْ بِسَعْيِي وَاجْتِهَادِي، وَلَا يَرَاهَا أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ ) ) [4] .

4ـ عكس الخضوع لله الخضوع للنفس (عبادة الهوى) ، والآيات تبين أن الذي يعبد هواه لا عقل له:

ـ فالإنسان يريد أن ينعم بالحرية بمعنى أنه لا يريد أن يعيش ذليلا بالخضوع لأي أحد غير نفسه، فهو يخضع لنفسه فقط، والخضوع لشيء ما معناه أنه يعبده، فإذا كان خاضعا لنفسه فهو يعبد نفسه وهواه، وإذا كان خاضعا لله فهو يعبد الله، والآيات التالية تبين أن خضوع الإنسان لنفسه مرتبط بتعطيل الإنسان لعقله: (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا )) [5] ، (( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) ) [6] .

5ـ بدلا من أن تكون نعم الله سببا لمعرفة الله وشكره ومحبته جعلها بعض الناس سببا لرفض دعوة الرسل لأنهم اغتروا بهذه النعم وحسبوا أنهم أقوياء بها ولم يعتبروها نعم من الله ولكن اعتبروا أنهم مالكوها وصانعوها وأنهم أقوياء بها فرفضوا الخضوع فأهلكهم الله وأهلك النعم التي اغتروا بها:

ـ فقوم عاد كان عندهم من صور القوة والمدنية الكثير: (( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ ) ) [7] ، (( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) ) [8] ، فكان مصيرهم: (( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كأنهم أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) ) [9] ، وهذا هو مصير الذين يغترون بأنفسهم ويدعون القوة بما عندهم من النعم: (( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ) [10] ، (( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَانَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ) ) [11] ، (( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ) ) [12] ، (( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا

(1) االتفسير القرآني للقرآن ـ دار الفكر العربي - القاهرة (ج: 12، ص: 1269)

(2) تفسير ابن جزي [التسهيل لعلوم التنزيل] ـ شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت (2/ 243)

(3) تفسير القاسمي [محاسن التأويل] ـ دار الكتب العلميه - بيروت (8/ 346)

(4) البحر المحيط في التفسير ـ دار الفكر - بيروت (9/ 316)

(5) الفرقان: 43، 44

(6) الجاثية: 23

(7) فصلت: 15

(8) الشعراء: 128، 129

(9) الحاقة: 7

(10) الروم: 9

(11) الأنعام: 6

(12) مريم: 74

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت