أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ )) [1] ، (( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ) ) [2] .
ـ وفي تفسير النسفي: (( {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} كانوا أكثر منهم عددا وأشد قوة بدنا وآثارا في الأرض قصورا ومصانع، فما أغنى عنهم: ما نافية، ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم يريد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كما قال يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) ) [3] .
ـ فهؤلاء وقعوا في أمرين هما الكفر بالنعمة أي عدم شكر النعمة وذلك معصية، وادعوا أنهم مالكوا النعمة وصانعوها فهي قوة لهم فرفضوا الخضوع رغم اليقين النظري التام بأنها نعم من الله وأن الله هو المالك وهو الرزاق، فالناس قسمين إما شاكر وإما كفور، ففي التفسير المنير: (( {إنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} أي بيّنا وأوضحنا له وعرّفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر وبصّرناه بعواقب الأمور وعرّفناه منافع الأشياء ومضارّها التي يهتدي إليها بطبعه السليم وكمال عقله فآل أمره إلى أن ينقسم نوع الإنسان إلى قسمين: شاكر لأنعم الله مؤمن به مهتد بهديه، وكافر جاحد للنعمة معرض عن الطاعة صادّ عن الهدي الإلهي ) ) [4] .
6ـ لابد أن يخرج تعلق القلب بالدنيا، أي يبتعد الإنسان عن عبادة هواه ويبتعد عن ادعاءه بأنه قوي بما يتمتع من الدنيا (الاستكبار) فعندئذ يتفرغ الذهن وينتهي ما كان يشغل العقل عن العمل، فيعقل حقيقة الأمور فيؤمن: (( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) ) [5] .
ـ إذا عقل الإنسان أن أهدافه الدنيوية عبث تفرغ ذهنه وصفى عقله فعقل حقائق الأمور، فيقول شيخ الإسلام ابن القيم: (( اعلم أن القلب إذا خلى من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال أو رياسة أو صورة وتعلق بالآخرة والاهتمام بها من تحصيل العدة والتأهب للقدوم على الله عز و جل فذلك أول فتوحه وتباشير فجره ) ) [6] .
7ـ لقد رفض كفار قريش الإسلام لأنه يسويهم بالعبيد لأنهم لا يريدون أن يتركوا جاههم وسلطانهم فأغلقوا عقولهم عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.
8ـ الإنسان يدعي أنه مالك النعم وصانعها فإذا سلبه الله من هذه النعم أدرك الحقيقة وشعر بأنه ضعيف لا يملك شيئا وأن الله يقدر عليه فيخضع لله تعالى خضوعا خالصا، ولكن عندما يزول الابتلاء يتناسى الأمر ويعود ليدعي أنه يملك النعم وأنه صانعها، فيقول تعالى: (( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ(53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ )) [7] ، (( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ(22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )) [8] ، (( وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إليه ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إليه مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) ) [9] .
2ـ الشعور الكاذب بقيمة النعم (الغرور بالدنيا ـ الغرور بالنفس)
(1) الأحقاف: 26
(2) الفجر: 6 ـ 13
(3) تفسير النسفي ـ دار الكلم الطيب، بيروت (ج: 4، ص: 82)
(4) التفسير المنير للزحيلي ـ دار الفكر المعاصر - دمشق (29/ 283)
(5) الجاثية: 23
(6) مدارج السالكين ـ دار الكتاب العربي - بيروت (3/ 352)
(7) النحل: 53 ـ 55
(8) يونس: 22، 23
(9) الزمر: 8