ـ النعم عظيمة القيمة، فهي تدل على عظمة من أوجدها ويملكها، فمن كان تصوره أن الإنسان لا يقدر على إيجادها ولا يملكها فيتصور مدى قوة الخالق فهو يعرف الله بها، لذلك هو يعلم أنه لو عبد الله طوال عمره لم يوفه نعمة واحدة مثل نعمة العين مثلا لعظمة هذه النعمة، فالأصل أنه لا يرى وأنعم الله عليه بنعمة جعلته يرى تكرما من الله، والرؤية عملية معقدة وقدرة هائلة تدل على مدى قدرة الله على إيجاد هذه الوظيفة، وهكذا في باقي النعم.
ـ والمشكلة أن الإنسان يتصور أنه هو الذي أوجد هذه النعم وهو الذي يملكها، فتدل ـ في نظره ـ على مدى قدرة الإنسان وقوته، فيغتر الإنسان بنفسه ويحسب نفسه قويا ويرفض الخضوع.
ـ فيعتبر النعم مصدر لقوته أو صفات لقوته، والإنسان نفسه هو عبارة عن مجموعة من النعم (العين والأنف والعقل والروح والإرادة ... الخ) فهو يخضع لنفسه وما يمتلكه ـ في نظره ـ وليس يخضع لله، فهو يعبد نفسه، أي يتجه بتصوره ونظرته للنعم وانشغال تفكيره ومشاعره وعمله إلى النعم: (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [1] ، فخضوعه للنعم هو خضوع لنفسه.
ـ النظر إلى ظاهر الدنيا يؤدي إلى الشعور الخادع بقيمة الدنيا والغرور بها والعزة بها والشعور بالانبهار والفرح بها.
3ـ انشغال البال بالنعم (التلهي بالنعم وأمور الدنيا)
ـ يشعر بأن هذه النعم هي صفات له، وكلما استزاد من هذه الصفات دل ذلك على أنه أقوى، فينشغل همه بالنعم وتتعلق مشاعره بها، ينشغل همه بالنعم لا على أنها نعم ولكن على أنها ملكه وكلما زادت دلت على قوته.
ـ ثانيا: عمل المشاعر
ـ تتعلق مشاعره بالنعم والشهوات.
ـ هناك ثلاثة حالات لتعلق عمل العقل وعمل المشاعر بالنعم وليس بالمنعم:
1ـ يكون كل عمل العقل من تصور وشعور بالانبهار بقيمة النعمة وانشغال البال بها وكل عمل المشاعر من حب وخوف ورجاء وخضوع هو للنعم وليس للمنعم، وهذا عبادة للنعم (عبادة للهوى) .
2ـ يكون أكثر عمل العقل وعمل المشاعر للنعم وليس للمنعم وهذا أيضا عبادة للنعم (عبادة للهوى) .
3ـ يكون أكثر عمل العقل وعمل المشاعر للمنعم وليس للنعم وهذا عبادة لله وكلما زاد عمل العقل والمشاعر للمنعم زاد الإيمان.
ـ ارتباط عمل العقل والمشاعر بالنعم (عبادة الهوى) :
ـ يكون تصور الإنسان أن صاحب النعم هو الإنسان ولا توجد نعم أخرى في الجنة، فلا يجد شيئا فيه متعة غير النعم الموجودة في الدنيا فيكون هدفه الذي يعيش له هو التمتع بنعم الدنيا، فيكون كل همه وكل مشاعره متعلقة بالحصول على النعم ولا يوجد أي هم أو مشاعر متعلقة بالله أو بنعم الجنة.
ـ إذا كان في داخل الإنسان قدر من الشعور بأن الإنسان هو صاحب النعم وقدر من الشعور بأن الله هو صاحب النعم فأيهما يكون أعلى من الآخر تكون هذه حقيقة الإنسان.
(1) الفرقان: 43