ـ إذا قارن الإنسان بين ألم الدنيا (غياب النعم في الدنيا) وألم الآخرة (النار وغياب نعيم الجنة) ، وكان خوفه من ألم الدنيا أكبر من خوفه من ألم الآخرة فهذا معناه أن الدنيا عنده أكبر وأعظم من الآخرة، فهو بذلك يؤثر الدنيا على الآخرة، وكذلك إذا كانت لذة الحب والشوق لأي شيء في الدنيا أكبر من لذة الحب والشوق لله فهذا معناه أن ذلك الشيء عنده أكبر وأعظم من الله، وكذلك إذا كانت أهداف الإنسان واهتماماته وطموحاته المتعلقة بالدنيا أكبر من أهدافه واهتماماته وطموحاته المتعلقة بالآخرة فهذا معناه أن الدنيا عنده أكبر وأعظم من الآخرة.
ـ هناك مَنْ قلبه متعلق بمتع الدنيا فقط، وهناك مَنْ قلبه متعلق بمتع الجنة والحور العين والنظر إلي وجه الله الكريم، وأيضا هناك مَنْ هو خائف ويحمل هم متاعب الحياة وهمومها فقط، وهناك مَنْ هو خائف ويحمل هم نار الآخرة وأهوال القيامة، فالأول يعبد هواه والثاني يعبد الله، وكلاهما يريد أن يتمتع ويريد أن يبتعد عن الآلام، وهنا أيضا يتضح الفرق بين مجرد الاقتناع النظري بمتع الجنة وبين مَنْ هو يشعر بمتع الجنة، وبين مَنْ هو مجرد مقتنع نظريا بعذاب النار ومَنْ هو يشعر بعذاب النار، فمن الناس مَنْ يجد عزته وشرفه وحبه وخضوعه ومشاعره للمال أو الشهوات أو المظاهر .... الخ، أما المؤمن فيجد عزته في الله والانتساب إليه وليس في عرض زائل من أعراض الدنيا.
ـ الإنسان فطر على حب الزوجة والأبناء ووالديه وذلك حلال وليس بذنب، وكذلك إذا أحب كسب المال من الحلال وأحب الطعام والشراب وغير ذلك، فكل ذلك حلال وليس بذنب، لكن إذا كان حبه لأي شيء سواء كان حلالا أم حراما أكبر من حبه لله فذلك عبادة للهوى.
ـ إن الذين يطوفون بالأضرحة يقعون في الشرك بأنهم يتجهون إليها بالخضوع والحب والخشوع، فكذلك هناك الذين يطوفون حول المال والشهوات فيركعون ويسجدون للمال والشهوات والدنيا (تركع وتسجد قلوبهم وليس جوارحهم) وكل خوفهم من ضياع المال وكل رجاؤهم في الحصول علي المال والشهوات والمتع، فهؤلاء يطوفون بالأضرحة دون أن يذهبوا إليها أو يعرفوها أصلا (يطوفون حول إله الشهوة) قال تعالى: (( أَرَأيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأنت تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [1] ، وفي الحديث: (( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط ) ) [2] ، القطيفة أي المظاهر، وبالتالى فمن الناس مَنْ يعبد أصناما رغم أنهم ليس عندهم أصنام ولا يعرفونها، إنها أصنام المال والمزاج والهوي والدنيا من دون الله، فهم يتجهون بمشاعرهم وهمومهم وأهدافهم إلى الدنيا، فيكون حبه للدنيا وخوفه عليها وخضوعه لها، وفي الحديث: (( إن لكل أمة فتنة وإن فتنة أمتي المال ) ) [3] ، فاحذر أن تغرك الدنيا وتفتنك: (( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) ) [4] ، وفي الحديث: (( احذروا الدنيا فانها خضرة حلوة ) ) [5] ، فمن الناس من يأتون يوم القيامة فيكتشفون أنهم كانوا يتناسون أنهم يعبدون فروجهم أو يعبدون المال أو المظاهر أو الطعام والشراب أو كل ذلك أو بعضه أو تدور حياتهم حول ذلك أو بعضه وإن لم يصلوا إليه، ذلك لأن مشاعرهم وأهدافهم وهمومهم متوجهة لذلك ومنقطعة عن الله واليوم الآخر.
ـ إن الإنسان عبارة عن جسد وروح (أو طين وروح) وهو مطالب بأمرين هما صلته بالله (وهو غذاء الروح) وصلته بالدنيا (وهو غذاء الطين) فإذا كانت مشاعره المتعلقة بغذاء الطين من الطعام والشراب ومتطلبات الحياة والمعيشة ... الخ أكبر من مشاعره المتعلقة بغذاء الروح فهو يعبد الطين (يعبد الدنيا) ، كما أن عدم تغذية الروح يؤدي إلى أن تموت الروح ويبقى الجسد حي فيعيش الإنسان وهو منقطع الصلة بالله، فهناك أموات خارج القبور هم يعيشون ويأكلون ويشربون ولكنهم ليسوا أحياء، وذلك لأنهم يُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا على الآخرة: (( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) ) [6] ، (( فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فإن الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى ) ) [7] ، (( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخرة ) ) [8] ، (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخرة وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ) [9] ، (( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ) ) [10] ، (( إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ) ) [11] ، فإذا كانت مشاعر الإنسان وهمومه
(1) الفرقان: 43
(2) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 2962 في صحيح الجامع)
(3) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 2148 في صحيح الجامع)
(4) لقمان: من الآية 33
(5) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 192)
(6) الأعلى: 16
(7) النازعات: 37 ـ 40
(8) إبراهيم: من الآية 3
(9) النحل: 107
(10) القيامة: 20
(11) الإنسان: 27