ـ ولذلك ففي الحديث: (( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) ) [1] ، فإما أن يعيش الإنسان في الدنيا معيشة السجين الخاضع لله أو يعيش معيشة الحرية، إذن إما أن يختار الخضوع وإما أن يختار الحرية، والاختيار الأول صعب جدا لأن معناه أن يخضع قلبه وتخضع جوارحه، فينكسر قلبه بحيث يشعر بالذل والضعف طوال عمره.
ـ كيف يهرب الإنسان من الخضوع:
ـ هناك طريقتان للهروب من الخضوع كالتالي:
1ـ الطريقة الأولى: لا يقتنع بوجود الخالق وبقوته فيكون عنده من الأدلة على ذلك، وهذه الطريقة لا يمكن حدوثها لأن كل شيء يدل على الخالق وقوته سبحانه فهو لا يستطيع أن يمنع عقله من الاقتناع واليقين بوجود الخالق وبقوته عليه، فيلجأ إلى الطريقة الثانية.
2ـ الطريقة الثانية: التناسي (تعطيل العقل) : وذلك من خلال عدم تصور الأمر وعدم الشعور بقيمته وعدم شغل البال به فيصبح كأنه لا قيمة له فبذلك يتجاهله.
ـ الهروب من الخضوع:
ـ ويتمثل في التالي:
1ـ تناسي (تعطيل العقل) صفات الخالق لأن هذا معناه ضعف الإنسان أمام قوة الخالق، أي عدم شعور الإنسان بأنه واقع تحت سيطرة وهيمنة الخالق وبالتالي عدم وجود الخضوع والاستسلام للخالق.
2ـ تناسي (تعطيل العقل) العلاقة بين الضعيف والقوي لأن هذا معناه الخضوع والخضوع ضعف والإنسان يريد أن يعيش حرا وليس عبدا، فهو بذلك يتجاهل قضية الخضوع.
3ـ تناسي (تعطيل العقل) حقيقة الخضوع: يدعي الإنسان أنه خاضع لله ولا يتصور هل الخضوع موجود في نفسه أم لا؟ فيتجاهل غياب الحالة النفسية المميزة للخضوع والخوف والحب لله ويتجاهل وجود الحالة النفسية المميزة للخضوع والخوف والحب للدنيا (وقد أوضحنا ذلك بالفصل الحادي عشر) .
ـ قضية الدين (أساس دعوة الرسل) هي الخضوع (العبودية) :
ـ الرسل جاءت تأمر الناس بالخضوع لله فيعيشوا معيشة الخضوع والناس مخدوعون بأنفسهم فلا يحبون الذل وأن يعيشوا مقيدين بالدين، فيلجأ الإنسان إلى التناسي (تعطيل العقل) حتى لا يخضع، فيوقن الإنسان بالله والآخرة والدين ولكنه يتجاهل ذلك كأنه لا يعلمه، والعلمانية هي صورة من صور رفض الخضوع والتقيد بالدين وأوامره، وعبادة الأصنام هي صورة من صور رفض الخضوع والتقيد بالدين وأوامره، والنفاق هو صورة من صور رفض الخضوع والتقيد بالدين وأوامره حيث يعلن الإنسان التزامه بالدين لكن قلبه لا يخضع وهذا هو الخطر الواقع في بعض المسلمين اليوم.
فالرسل جاءت تأمر الناس بالعبودية والناس بين أمرين لا ثالث لهما، منهم من قبل الخضوع ومنهم من رفض الخضوع عن طريق التناسي (تعطيل العقل) .
ـ فأصل الإيمان هو الخضوع، فمن خضع فقد آمن، ومن لم يخضع فهو منافق أو كافر، فأصل قضية الإيمان أن هناك قوي وضعيف، والضعيف يخضع للقوي، أو رب وعبد، والعبد يخضع للرب، فاعتراف الإنسان بأنه عبد وبأن له رب وإله معناه الخضوع لله.
ـ الإنسان يعطل عمل العقل لإخفاء الاستكبار (عدم الخضوع) :
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 562، برقم 2324)