ـ فالاستكبار هو أن يؤثر شهواته وحظوظ نفسه على الخضوع لله: (( فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فإن الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فإن الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى ) ) [1] .
ـ فمثلا رغم اليقين النظري التام بأن الآخرة هي حياتنا ومصيرنا، لكننا لا نقبل أن نلغي هذه الحياة الدنيوية فنعيش حياة المسافر الذي يستعد للرحيل، فنحن نهرب من هذه الحقيقة ونعيش كأن الكرة الأرضية هي دار إقامتنا وحياتنا، فرغم اليقين النظري التام بالآخرة إلا أننا نهرب منها ونتغافل عنها ونتجاهلها.
ـ وكذلك فالله هو الخالق المسيطر علينا، ورغم اليقين النظري التام بذلك لكننا لا نقبل أن نعيش حياة الذل والاستسلام ولا نقبل أن نعيش معيشة العبيد فنحن نعيش لأنفسنا ولا نقبل أن نعيش حياتنا من أجل أحد غيرنا، فنحن نهرب ونتغافل عن الله.
ـ فإذا كشفنا عما في قلوبنا وجدنا عدم القبول (الاستكبار) لأن نكون عبيدا أو نعيش تحت أسر الآخرة والإعداد لها ولكننا نخفي هذا الاستكبار في صورة تناسي (تعطيل العقل) كأننا لم نسمع عن الأمر.
ـ إن النفس مجبولة على حب الشهوات والسعادة وما فيه الراحة واللذة وتكره الذلة والانكسار والخضوع لأي أحد أو أي شيء لأن في ذلك ألم لها، لذلك فالنفس لا تحب الخضوع لله والدين فتريد أن تتحرر من ذلك، فالنفس من داخلها تتكبر وتأبى أن تستسلم: (( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ) ) [2] ، (( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ) ) [3] ، ومن أثر ذلك أن النفس قد تجد اللذة في المعصية لمجرد أنها ضد الدين، خاصة لو كانت ذنبا كبيرا لشعورها أنها تتحرر من قيد الخضوع للدين، كالذي يقع في الزنا ويترك زوجته مثلا، والذين يحاربون الدين أو يتمنون لأهله ترك الالتزام هم من المستكبرين لأنه لو انتشر الدين لأمرهم بالخضوع وهم لا يريدون أن يسمعوا أحدا يأمرهم بالخضوع لله.
ـ الخضوع عكس الحرية:
ـ وجود الله معناه وجود من هو أقوى من الإنسان ومن هو يسيطر عليه، وهذا معناه أن الإنسان ضعيف والله هو القوي، والعلاقة بين الضعيف والقوي هي علاقة خضوع وذل وتبعية، فالضعف صفة نقص والضعيف في احتياج إلى القوي والضعيف يخاف من مهابة القوي ومن بطشه ويرجو منه العون ويحبه إعجابا بقوته، فالضعيف يخضع للقوي خوفا من مهابته وحبا فيه ورجاءا لأن يعطيه وخوفا من أن يمنعه أو يعاقبه.
ـ إذن وجود الله تعالى يوجب على الإنسان الخضوع، وكل ما يدل على قوة الله هو يوجب على الإنسان الخضوع.
ـ والإنسان لا يحب الخضوع والذل، إذن الإنسان يتناسى الله لأنه يريد أن يهرب من الخضوع فالخضوع عكس الحرية، والإنسان يكره الاستعمار والسجن والرق لان في ذلك إذلال واستعباد للإنسان، ويحب أن يعيش حرا في عزة وكرامة وإباء واستعلاء، له رأيه وشخصيته المستقلة، فلا يريد أن يتحكم فيه أحد أو يجبره أحد على عمل شيء، فلا يحب أن يعيش مقيدا، كما يكره الظلم والاضطهاد والإيذاء لأن في ذلك إذلال واستعباد للإنسان، ويكره أن يعيش فقيرا معدوما محروما وغيره يرتعون في الأموال والنعيم لأن في ذلك ظلم وإيذاء واستعباد لهم.
ـ الله يريد منا أن نعيش حياة ذل وخضوع له، وهذا ليس ظلما من الله لنا لأن هذا حقه، فنحن فقراء لا نملك شيئا وضعفاء لا نستطيع أن نفعل شيئا، وكل شيء هو ملك لله وكل القوة لله.
ـ والخضوع لابد أن يكون لله وحده، ويرفض الإنسان الخضوع لغير الله، وإذا تحرر الإنسان من عبودية غير الله فهذا ليس معناه أنه يعيش حرا ولكن ينتقل من عبودية غير الله إلى عبودية الله، وأشد صور الذل والعبودية هي الذل لله والعبودية له ففيها كمال الذل والخضوع والانقياد والانكسار والانهزام والاستسلام لله ولكن البعض لا يقبلوا أن يعيشوا هذه المعيشة الشديدة الذل ونفوسهم منكسرة فهؤلاء هم أهل النار المستكبرين.
(1) النازعات: 37 ـ 40
(2) غافر: من الآية 56
(3) ص: 2