فلابد أن يركع العقل والقلب، وكذلك فالنفس فيها الكبر عن أن أحدا غيرها هو الذي يقوم علي أمرها ورعايتها كأنها قاصرة أو عاجزة، فالنفس تريد أن يكون لها سلطة وزعامة وأن تكون هي التي تدير نفسها.
ـ فالإنسان له إرادة تجعله يفعل ما يشاء، فهو يختار لنفسه أن يسير كيفما يشاء ويعمل ما يشاء، فهو سيدا لنفسه لأنه يتحكم في نفسه كيفما يشاء كلما أحب شيئا قام به، وهو لا يقبل أن يكون عبدا وتسلب منه حريته وشخصيته، والعبد ليس له هدف غير إرضاء سيده وقبول كل ما يفعل به سيده، لذلك فهو يرفض أن يكون عبدا.
ـ فالإنسان لا يريد أن يخضع، لأن هذا معناه أن يتنازل الإنسان عن كل ما يملك لله الذي يملك كل شيء فيكون كل ما عنده هو محض تكرم وإنعام ومنة من الخالق فيعيش عبدا لاحسان الله (الخضوع رجاءا في الثواب) ، فإما أن يكون محبا شاكرا لله أو يستكبر عن أن يمن عليه أحد بعطاء فيكون مستكبرا كفورا: (( إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) ) [1] .
ـ فأصعب شيء على النفس هو التنازل عن كل الممتلكات والأهل والمال والشهوات وعن النفس والاعتراف بملكية هذه الأمور لصاحبها وهو الله فتصبح هذه الأمور بلا قيمة لأنها ليست ملكا للإنسان، فلا يتحقق الإيمان حتى يزول تعظيم قيمة النفس والمال والممتلكات من عقل وقلب الإنسان: (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) ) [2] .
ـ فهناك أمران لا ثالث لهما هما إما تعظيم قدر الله وتصغير قدر النفس، أو تعظيم قدر النفس وتجاهل قدر الله تعالى كأنه ليس له قدر، فالأول هو الإيمان والثاني هو الاستكبار، فالإيمان عكسه الاستكبار، وهذا الاستكبار هو رفض للإيمان الحقيقي بالربوبية، ومعنى أن الإنسان يتغافل عن قدرة الله عليه فهذا لأنه مستكبر على الله.
ـ وبتعبير آخر فالإيمان هو الخضوع والذل والتنازل عن كل شيء، والاستكبار أنه لا يريد أن يخضع ويذل ويتنازل عن كل شيء، وهذا الاستكبار هو رفض للإيمان الحقيقي بربوبية الله.
ـ فعكس الإيمان هو الاستكبار، فالإنسان إما مؤمن وإما مستكبر ولا يوجد شيء ثالث، وفي تفسير البغوي: (( {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا} تكبروا عن الإيمان بها، وإنما ذكر الاستكبار لأن كل مكذب وكافر متكبر، قال الله تعالى"أنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون") ) [3] .
ـ فالاستكبار هو أنه لا يريد أن يخضع ويذل طوال عمره، ولا يريد أن يتنازل عن ما يملك من الشهوات والنعم ليعترف أن الله هو المالك لكل النعم التي يتنعم بها، ولا يريد أن يعترف بأن الدنيا لا قيمة لها لأنها إلى زوال وأن الحياة في الآخرة لأنه لو أيقن بضآلة الدنيا فهذا معناه أن يترك حب الدنيا واللهث وراءها وهو لا يريد ذلك، ولا يريد أن يتحكم أحد فيه ويسيطر عليه، ويريد أن يعيش حرا مستقلا بنفسه ويشعر أن له إرادة مستقلة فيستكبر.
ـ فالاستكبار هو تكبير قدر النفس وما معها من شهوات مع تجاهل قدر الله تعالى كأنه ليس له قدر: (( وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) ) [4] فهو لا يريد أن يعترف أمام نفسه بضعفه وعظمة الله وقدرته عليه، فأصعب شيء على الإنسان هو الاعتراف بضعفه ونقصه وعجزه واستسلامه واحتياجه وانقياده لغيره، والاعتراف بأنه مقهور ومغلوب وخاضع تحت سيطرة أحدا غيره، والاعتراف بالذل وأن يعيش عيشة الذل وعيشة العبيد لسيد يملكه ويملك التصرف فيه، فالإنسان يعرف أن لله كل صفات العظمة والعلو، وأن الإنسان فيه كل صفات الضعف والعجز لكنه يأبى أن يشعر بذلك ويتعاظم الأمر في نفسه أن يكون كذلك، فالكفار يعلمون الحق ويفهمونه جيدا لكنهم يستكبرون فيتغافلون عنه لأن مشاعرهم تأبى الإذعان والاستسلام لذلك، وبالتالي فمشاعرهم جاحدة مستكبرة.
(1) الإنسان: 3
(2) التوبة: 111
(3) تفسير البغوي [معالم التنزيل في تفسير القرآن] ـ دار إحياء التراث العربي -بيروت (2/ 190)
(4) الدخان: 19