هو سلعة تباع وتشترى في سوق العبيد ويعيش تحت أمر سيده الذي اشتراه، فكذلك الحال مع الله تعالى، فالله المتكبر والإنسان الذليل.
ـ إذن عدم وجود الشعور بالخضوع يدل على أن الإنسان لا يؤمن بوجود قوي أعلى منه، فهو يظن أنه قوي، فالإنسان القوي يرفض أن يخضع لإنسان قوي مثله أو أضعف منه، وكذلك الإنسان الضعيف المخدوع في نفسه ويظن أنه قوي يرفض الخضوع لإنسان أقوي منه لأنه يظن أنه مثله أو أضعف منه، فالإنسان ضعيف لكنه مخدوع يظن أنه قوى وأن ما عنده من مال وصحة وممتلكات هي ملك له، كما أنه يتجاهل قوة الله كأنه ليس بقوي أو ليس بأقوى منه فيرفض الخضوع، أما الإنسان الذي يشعر بضعفه وبقوة الله فإنه يرى أن خضوعه لله هو أمر طبيعي.
ـ الإنسان إما مؤمن (خاضع) وإما مستكبر؟:
ـ قضية الدين كله تتلخص في كلمة واحدة هي الخضوع، وقضية الدين تعني أن أمام الإنسان أمران هما: إما أن تكون له حياته المستقلة به فيدير أموره بنفسه ويفعل ما يريد ويرغب، فيعيش حياته حرا يفعل ما يشاء، وإما أن يجعل حياته لأحد غير نفسه، فيعيش عبدا خاضعا لسيده ومولاه رب العالمين، فيضع نفسه وما يملك ورغباته وحياته تحت تصرف سيده.
ـ إن أصل كلمة"عبد"و"عبادة"هي الخضوع، وأصل العلاقة بين العبد والرب هي الخضوع، وجميع مشاعر الإيمان من خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب تؤدي إلى الخضوع.
ـ قبل أن يقبل الإنسان الدين أو يرفضه كان عليه أولا أن يعقل ما هو يقبله أو يرفضه، فأصل قضية الدين هي علاقة خضوع بين القوي والضعيف، فالقوى هو الله والضعيف هو الإنسان، والنفس تستكبر أن تعيش معيشة الخضوع فيدعى الإنسان قبوله للدين وقبوله للخضوع من غير أن يخضع ويمنع عقله من التعرف على الخالق لأنه لو عرف قوته لخضع له وهو لا يريد الخضوع، فالذي يدعى قبول الدين والخضوع وهو لم يشعر بالخضوع فهو كذاب وهو عطل عقله من العمل.
ـ عبادة الله تعالى هي خضوع العقل وخضوع المشاعر وخضوع الجوارح لله تعالى، والإنسان إما أن يخضع أو يستكبر عن عبادته سبحانه: (( وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إليه جَمِيعًا ) ) [1] .
ـ الإنسان يعرف أن الله هو القوي وحده ويعرف ضعف نفسه ومن عرف ذلك فلابد أن يخضع، ولكن الإنسان لا يريد أن يخضع فيتجاهل معرفته بربوبية الله كأنه لا يعرف الله لأن هذه المعرفة تؤدي إلى الخضوع، فتصبح معرفته بربوبية الله هي معرفة نظرية فقط وليست معرفة حقيقية.
ـ هذا التجاهل هو تعطيل للوظيفة الطبيعية للعقل، لان العقل وظيفته العلم بالشيء والمعرفة به، فالكفار يدخلون النار لأنهم عطلوا عقولهم عن معرفة الله متجاهلين ما حولهم من الأشياء (فكل شيء حولهم يعرفهم بالله) ومتجاهلين ما سمعوه من كلام الرسل عن الله: (( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ) [2] .
ـ لماذا لا يريد الإنسان أن يخضع:
ـ الخضوع ضعف، لذلك فالإنسان يستكبر أن يخضع، فيلجأ إلى حيلة وهي تعطيل عقله والتلهي بالدنيا حتى لا يتحقق الخضوع.
ـ فسبب أن الإنسان لا يريد أن يخضع هو أن الإنسان له إرادة وقوة وروح وعنده حكمة، فلا يريد أن يٌخضع إرادته إلى إرادة الله، فهو مغرور بعقله (( فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) ) [3] ، فهو مغرور كأنه هو الذي أوجد هذه الأمور في نفسه
(1) النساء: 172
(2) الملك: 10
(3) غافر: من الآية 83