فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 249

تافهة، ولا يوافق على أن كل النعم مجرد عطاء من الله عليه، رغم أن كل ذلك هو مقتنع به ولكنه اقتناع نظري فقط، فالإنسان مغرور بنفسه وبالدنيا.

ـ والخضوع معناه أن يتنازل عن كل ما عنده من نعم كالعين والأنف والأذن، وأن يتنازل عن شهواته وما يتمتع به من مال وممتلكات وأهل وبنين فينسب ملكية كل شيء لله فيصبح عاري من كل شيء متجرد من كل شيء لا يملك شيئا ولا حتى يملك نفسه، فيصبح ضعيف والله هو القوي، والضعيف يخاف من القوي ويعجب بقوته فيخضع له خوفا منه وإعجابا به، ومعنى أن الإنسان يرفض هذا التنازل إذن هو مستكبر لا يرضى بالخضوع وأنه مغرور بنفسه وبالدنيا.

ـ فالاستكبار معناه أن الإنسان لا يعترف بضعفه وعجزه وأنه لا يملك شيئا، وينسب ملكية كل شيء إلى الخالق، فهو بذلك يستكبر على الخالق ويرفض أن يسجد له بعدم اعترافه بصفات النقص للإنسان وصفات الكمال لله تعالى، فالاستكبار هو غرور الإنسان بنفسه بما معه من الدنيا.

ـ مالك الشيء له أن يفعل بما يملك ما يشاء، فما يحدث للإنسان من خير أو شر إنما هو من فعل الله تعالى، والذي يعلم أن ما يحدث له إنما هو من فعل الله فهو يستسلم لله متقبلا أي شيء يحدث له، فلا يحزن بشيء ولا يفرح بشيء، فهو لا يملك شيئا حتى يحزن على فقده، فالإنسان كالدمية يفعل بها صاحبها ما يشاء، والاستكبار معناه أن الإنسان يرفض أن يكون كالدمية يفعل بها صاحبها ما يشاء فلا يريد أن يتحكم فيه احد فيريد أن يكون حرا وليس عبدا.

ـ مفهوم القوة والضعف:

ـ الإنسان يكون قويا إذا كان يمتلك من القدرة أو المال أو الجاه، أي بما لديه من مميزات وصفات غير موجودة عند غيره فيكون فوقه وأفضل منه، ويكون ضعيفا إذا كان لا يمتلك شيئا من القدرة أو المال أو الجاه، أو أي شيء يتميز به عن غيره.

ـ ولكن لا يوجد أحد قوي بحق إلا الله سبحانه، فجميع الناس متساويين، وجميعهم ضعفاء لأنهم جميعا لا يملكون شيئا، والذي لا يملك شيئا فبماذا يدعي القوة إذا؟، فجميع مظاهر القوة لله جميعا (( أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) ) [1] .

ـ فالقوة تشمل جميع الصفات الحميدة، وكمال القوة يعني الكمال في الصفات الحميدة.

ـ فالإنسان إذا كان يدعي القوة فهو ظالم لأنه لا يمتلك القوة بحق.

ـ والقوي بحق لا يحتاج شيئا من الضعيف وبالتالي لا يظلمه.

ـ والقاعدة الفطرية تقول بأن الضعيف يخضع للقوي بحق فيكون تابعا له.

ـ وخضوع الضعيف للقوي هو خضوع احتياج لعطاءه وخضوع من خوف مهابته ومن خوف عقابه وخضوع إعجاب وتعظيم لقدرته (فهو خضوع رجاء وخضوع من خوف المهابة وخضوع من خوف العقاب وخضوع حب) .

ـ أي أن الضعيف يحب القوي لدرجة الخضوع، ويخاف من هيبته لدرجة الخضوع، ويخاف من عقابه لدرجة الخضوع، ويرجوه لدرجة الخضوع، فالعلاقة بين الضعيف والقوي هي علاقة خضوع، فإذا لم يتحقق الخضوع فذلك معناه أن الضعيف لا يؤمن بالقوى أي لا يعتبره قويا.

ـ فأصل الدين أن هناك رب وعبد، أي أن هناك ضعيف وقوي، فإذا شعر الإنسان بأنه ضعيف والله قوي تحققت مشاعر الإيمان كلها بالضرورة وتحقق الخضوع، فبمجرد أن يشعر الإنسان بأنه ضعيف مقهور والله قوي مسيطر عليه فإنه يشعر بخوف المهابة من الله والحب والإعجاب بمدى قدرة الله والرجاء في ثوابه والخوف من عقابه والخضوع له.

ـ فالضعيف يخاف من القوى ويخضع له، ويشعر باستكانة وأنه مغلوب على أمره (شعور بالخضوع) ، والقوى له السيادة والسلطة والسيطرة والأمر والنهي، والضعيف مغلوب على أمره مستكين ضعيف مقهور، فهذا حال الخادم الذي

(1) البقرة: من الآية 165

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت