فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 249

ـ ولكن الإنسان يعلم في داخله أنه لا يملك شيئا وأنه لم يصنع شيئا، وهذا معناه أنه ضعيف وبالتالي معناه الخضوع، فيلجأ إلى حيلة وهي أن يعطل عقله كأنه لا يعلم أن ملكية هذه النعم لله وان الله هو الذي أوجدها، ويعيش كأنه يمتلك هذه النعم وكأنه هو الذي أوجدها، وبالتالي لا يخضع.

ـ إذن أصل قضية الدين هي اعتراف بقوة الله وضعف الإنسان وبالتالي الخضوع، والإنسان إما أن يعترف فيخضع وإما أن يرفض الاعتراف فلا يخضع، ونوضح هذا الأمر من خلال هذا الفصل.

ـ الإنسان مطلوب منه أن يخضع، بمعنى أن يعترف بأن الدنيا وكل ما يتمتع به من مال ومناصب وزوجة وأهل وإرادة وعقل هو ملك لله تعالى، ولكن الإنسان يقول لا، لن أترك الدنيا ومالي ومناصبي وما أتمتع به فهو ملكي، والمطلوب أن يترك الإنسان الدنيا من تفكيره ومن مشاعره ويكون عمله لها بجوارحه مثل عمل المسافر الذي يتزود من طعام يعينه أثناء سفره إلى الآخرة ولقاء الله تعالى.

ـ معنى الاستكبار أي لا يريد أن يترك صفات القوة:

ـ فأصل القضية هي ملكية النعم، فالذي أوجدها هو الذي يملكها، والإنسان يعلم ذلك لكنه يدعي أنها ملكا له ظلما وعلوا.

ـ فالنعم لها قيمة كبيرة إذا كانت ملكا لصاحبها ولا تزول عنه، وطالما أن لها قيمة كبيرة فهي صفة قوة لصاحبها فهو قوي بها.

ـ الإنسان الظالم يريد أن يأخذ ما ليس من حقه، فهذه النعم رغم أنها موجودة معه لكنها ليست ملكا له، والخضوع معناه أن يترك الإنسان هذه النعم التي يريد أن يأخذها ظلما لتكون صفة قوة له فيرفض الخضوع.

ـ وهو يعلم نظريا أن هذه النعم ليست لها قيمة من حيث أنها ليست ملكا له ومن حيث زوالها عنه فيعطل عقله ويتجاهل هذا الأمر ولا يفكر إلا في ظاهر النعم فيغتر بها.

ـ إذن الإنسان يعطل عقله حتى لا يعترف بأن الله هو الخالق والمالك لكل شيء وبالتالي هو القوي ولا قوي غيره وبالتالي يخضع الإنسان له، وذلك رغم وجود اليقين النظري التام بان الله هو الخالق والمالك لكل شيء وبأنه وحده القوي.

ـ وهو لا يستطيع أن يأخذ شيئا مما يملكه الله ليكون ملكا له ولكنه يدعي أنها ملكا له.

ـ فسبب رفض الخضوع هو الظلم (يريد ما ليس حقه فالنعم ليست ملكا له) والعلو (يرفض الخضوع لأنه لا يعتبر نفسه ضعيف بعدم امتلاك أي شيء) : (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) ) [1] .

ـ مفهوم الاستكبار:

ـ الاستكبار هو شعور الإنسان بأنه ليس بضعيف، فكما أن الله قوي فهو يظن أنه أيضا قوي، فالاستكبار هو شعور الإنسان بامتلاك صفات القوة كالملكية والإيجاد والحكمة والعلم والقدرة والحرية والإرادة، أي هو شعور الإنسان بأن ما عنده من صحة ومال وممتلكات وشهوات وأهل وبنين هي ملكه وأوجدها لنفسه ولا يشعر بأنها نعم من الله عليه.

ـ الإنسان مغرور بما أعطاه الله من نعم كالعين والأنف والهواء وبما أعطاه من متع الدنيا كالمال وشهوات النساء والطعام والشراب، فهو يظن أن كل ذلك ملكا له ويرفض التنازل عنه، لذلك عندما تأتيه الرسل فتسلب منه حياته التي يعيشها على أنها حياة عابرة والآخرة هي الحياة، وتسلب منه ما يتمتع به من عين وأنف ومال وممتلكات وشهوات لتنسب ذلك كله إلى الله الذي يملك كل شيء، وتسلب منه كل شيء فيكون ضعيفا ولله كل صفات القوة، فيرفض الإنسان ذلك لكنه لا يستطيع أن يمنع عقله من الاقتناع النظري بما جاءت به الرسل فيلجأ إلى حيلة التشاغل بالدنيا والتغافل والتلهي، فهو لا يقبل أن ينظر إلى الملايين من الأموال على أنها تافهة، ولا يقبل أن ينظر على متع الشهوات على أنها

(1) النمل: 14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت