فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 249

الرحمن وفي الجنة وفي لذة النظر إلى وجه الله الكريم إلا أنه عند البعض هو اقتناع نظري فقط، أما المؤمن فسعادته في أن يصل إلى رضا الرحمن ويجتنب غضبه، وسعادته في أن يصل إلى لذة النظر إلى وجه الله الكريم، وسعادته في أن يصل إلى شهوات النساء الحقيقية التي هي اللذة الحقيقية والكاملة مع النساء التي تحار العيون من جمالهن من الحور العين، وسعادته في أن يصل إلى متع وملذات حقيقية هائلة في جنات النعيم، فهذا هو الإنسان العاقل الذي لا يبالي بحياة ضئيلة فانية، ويصبر قليلا وينتظر حياة الخلود في جنات النعيم، أما من يبحث عن السعادة في الدنيا فلا عقل له: (( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ) [1] .

ـ ومن الناس من عنده طول أمل بحيث كلما حقق هدفا دنيويا لم يقنع ولم يحقق له سعادة، ويستجد له طموحات أكثر وطول أمل أكثر وهكذا يظل يريد أن يصل إلى أهدافه التي يرى فيها الراحة حتى يموت، فكثير من الناس من يرى الراحة والسعادة حينما ينجح في دراسته ثم ينجح فلا يرتاح لأنه يرى الراحة في أن يتخرج من الجامعة ثم لا يرتاح لأنه يرى الراحة في أن يجد عملا ثم لا يرتاح لأنه يرى الراحة في أن يتزوج ثم لا يرتاح لأنه يرى الراحة في إنجاب الأطفال ثم لا يرتاح لأنه يرى الراحة في أن يزوج أبناءه ثم لا يرتاح لأنه يرى الراحة في أن يكون ذو صحة وعافية ولا يرتاح الإنسان ويرضى بما هو فيه من العمل فلا يرى في عمله الراحة ويظن أن عملا آخر أفضل، ولا يرتاح ويرضى بما هو فيه مع زوجته ويرى أن آخرين يعيشون حياة أفضل ولا يرتاح ولا يرضى بمسكنه ويظن أن غيره أفضل ولا يرتاح ولا يرضى ويظل عنده أمل في تحقيق أشياء كلما تحققت لم يجد فيها الراحة وكان عنده آمال أخرى لا تنتهي حتى يموت وهو على ذلك لم يجد الراحة، فلا راحة في الدنيا، إنما الراحة في الجنة، ومثال ذلك مثال الرجل الذي قيل له اجري في هذه الأرض فكلما قطعت مسافة من هذه الأرض فهي لك، فكان الرجل كلما جرى مسافة يقول لنفسه: كلما أجرى أكثر آخذ مساحة أكبر من الأرض ويظل هكذا لا يتوقف حتى يقع ميتا، ولا أحد يعجبه حاله أو يرضى بحاله ويقول الشاعر: ... صغير يشتهي الكبرا ... وشيخ ود لو صغرا

ورب المال في تعب ... وفي تعب من افتقرا

وخالى يشتهي عملا ... وذو عمل به ضجرا

ويشقى المرء منهزما ... ولا يرتاح منتصرا

فهل حاروا مع الأقدار ... أم هل حيروا القدرا

ـ ودائما يجعل الإنسان ما يحتاجه أكثر مما معه من مال، ويتصور أنه لو جاء إليه قدر معين من المال لحقق ما يريد وارتاح وسعد، ولكنه كلما زاد دخل الإنسان كلما صنع لنفسه احتياجات أكثر من دخله، فيظل في احتياج وتطلع وشكوى مستمرة حتى يموت، فكلما حقق طموحه استجد له طموح آخر، ودائما يتصور أن ما يطمح إليه هو شيء مهم وضروري لأسباب واهية، وقد يكون لا داعي له أصلا أو غير مبرر أو لا يحتاج إليه على وجه الضرورة، ويظل يعمل طول عمره من أجل مستقبله ولن يأتيه المستقبل حتى يموت، فهو دائما لا يرضى بحاله والوضع الذي هو فيه ويريد التغيير ولو لمجرد التغيير، فهو غير راض عن مسكنه أو عن عمله أو عن دخله أو عن زوجته وأسرته، فيظل دائما يبحث عن السعادة وينتظرها فلا يجدها ولا يصل إليها، والسبب هو أن الذي يعيش للدنيا كلما حقق طموحا فلابد أن يصنع لنفسه طموحا آخر وإلا فلماذا يعيش وماذا يصنع؟ فالإنسان لا يستطيع أن يعيش بغير طموح وهدف، وطالب الدنيا ليس له هدف محدد لأن الدنيا ليست شيئا واحدا فهي ألوان من المظاهر والشهوات والأموال والمتاهات ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، أما الذي يعيش للآخرة فطموحه الجنة، أما الدنيا فهو يعلم أنه عابر سبيل فلا يطمح فيها، كما أنه يعلم أن رزقه لا يزيد ولا ينقص لا بطموح ولا بغير طموح وأنه لا حيلة في الرزق، وأن رزقه لن يأخذه غيره لذلك فهو مطمئن سعيد، ولذلك ففي الحديث: (( انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ) ) [2] .

ـ إن متاع الدنيا يحدث فيه ملل، فإذا أكثر الإنسان من طعام معين أو شراب معين أو اعتاد عليه فبعد فترة يمل منه، وكذلك التعود والتكرار في متع الدنيا المختلفة تؤدي إلى الملل، بل إن وسائل الرفاهية ووسائل التقدم العلمي ليس كلها خير ففيها الضرر على صحة الإنسان وتلوث وضرر على البيئة، فمتع الدنيا بها كدر ويصاحبها آلام ومتاعب ومشاكل

(1) البقرة: من الآية 171

(2) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 1507)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت