فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 249

ـ فالسبب الذي ادخل الكفار النار ورد في قوله تعالى: (( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ) [1] ، فإذا أردنا أن ندخل الجنة فلابد أن نسمع ونعقل، فكيف يكون ذلك؟ أي كيف نفهم عظمة الله وكيف نعرفه وكيف نعقل حقيقة أنفسنا وحقيقة الدنيا؟ هذا هو موضوع الكتاب، فهذه الأمور هي موجبات الخضوع، فمن عقلها فقد خضع، ومن تناساها وتغافل عنها فإنما هو يهرب من الخضوع لله تعالى.

ـ الإنسان العاقل يفكر في ما يسمعه ويراه فيتصوره ويشعر بقيمته وينشغل به باله، ورغم أن الإنسان يعلم عظمة الله وضعف نفسه وخطورة الآخرة وضآلة الدنيا وشهواتها إلا أنه يعطل عقله فلا يتصور ذلك ولا يشعر بقيمته ولا ينشغل به باله، فيكون كل تفكيره فيما سوى ذلك من ظاهر الدنيا فهذا هو نسيان الله والآخرة: (( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ ) ) [2] .

ـ وظيفة العقل هي التفكير قي حقائق الأمور، ولكننا قد نشغل وظيفة التفكير في سطحيات الأمور وظاهرها فينشغل العقل عن القيام بالوظيفة الأساسية وهي التفكير في حقائق الأمور، ويحتاج الإنسان عندئذ إلى إعادة ضبط عملية التفكير من جديد ليعود للعقل وظيفته من جديد أي لتعود الحياة للعقل وبالتالي تعود الحياة للإنسان من جديد ليعيش الحياة من جديد بعقل جديد: (( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ) ) [3] ، (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إليه يُرْجَعُونَ ) ) [4] .

ـ العقل شرط من شروط الإيمان، فالمجنون غير مكلف، وكذلك الإنسان الذي بلغته الدعوة فعلمها ولكنه عطل عقله فلم يستعمله فتجاهل وتعامى وتناسى حقيقة ما دعت إليه الرسل كأنه لم يعلمها، فأصبح كأنه مجنون، فهو مكلف لأنه هو الذي عطل عقله وبالتالي فهو أفقد نفسه شرطا من شروط الإيمان: (( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ) ) [5] .

ـ فلابد أن يعقل الإنسان حقيقة ما يقوله وحقيقة ما يوقن به وحقيقة ما يعمله، فإذا كان الإنسان يقول بأنه مسلم ويوقن بالله والآخرة ويعمل بالطاعات فلابد أن يكون عاقلا واعيا لحقيقة ما يقوله وما يوقن به وما يعمله: (( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ )) [6] .

ـ كيف يفهم الإنسان ويعقل معنى أن له خالقا ومعنى أن هناك آخرة؟ بل كيف يفهم معنى الأشياء من حوله وكيف يكون عاقلا؟ وبتعبير آخر كيف يفهم الإنسان عظمة الله وكيف يفهم خطورة الآخرة؟، هذا هو موضوع الكتاب.

ـ أصل قضية الدين هي خضوع الضعيف للقوي، فإذا عقل الإنسان مدى قوة الخالق ومدى ضعف نفسه فهو بذلك قد عرف الله وقد عرف حقيقة نفسه فعندئذ يخضع لله ويخاف من مهابته ومن عقابه ويرجو ثوابه ويحبه إعجابا بمدى قوته وينشأ عن ذلك طاعته وهذا هو مفهوم الدين.

ـ العلاقة بين الضعيف والقوي هي علاقة خوف وخضوع وتعظيم وحب إعجابا بقوته ورجاءا واستعانة به وتوكلا عليه وطاعته، فإذا شعر الإنسان بقوة الله وضعف نفسه شعر بالخضوع والتعظيم والخوف والحب والرجاء وتوكل على الله وأطاعه، وإذا لم يشعر الإنسان بقوة ما هو قوي وضعف ما هو ضعيف ففي عقله خلل، هذا الخلل هو تناسي قيمة الأشياء، وإذا تناسى الإنسان قيمة الأشياء رأى القوة والعظمة في المال أو الجاه أو الشهوات ولم يشعر بقوة الله وعظمته فكان خوفه وخضوعه وتعظيمه وحبه ورجاءه في الدنيا وتوكله عليها وعمله من أجلها فهذا هو عبادة الهوى.

ـ فإذا لم يشعر الإنسان بقوة الله وقدرته ولم يشعر بضعف نفسه فلن يشعر بالخضوع لله والخوف منه ومحبته ورجاءه، وسبب ذلك الغفلة عن الله والغفلة عن ضعف الإنسان، وكذلك إذا لم يشعر الإنسان بخطورة الآخرة ولم يشعر بضآلة

(1) الملك: 10

(2) الروم: 7

(3) الأنعام: 122

(4) الأنعام: 36

(5) يونس: 100

(6) الأنفال: 21، 22

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت