فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 249

ـ أنت إذا وقفت أمام أسد حقيقي ولم تشعر بخطورة الأمر فلم تشعر بالخوف فهذا معناه أن هذا الأسد في حقيقته بالنسبة لك هو تمثال أو صنم، والفرق بين الأسد الحقيقي والأسد الصنم أن الأخير لا ينفع ولا يضر، وهما مشتركان فقط في الاسم، فالأول له إسم حقيقي والثاني له اسم مخترع ما أنزل الله به من سلطان، لذلك عاب الله علي قوم يعبدون أصنام لا تنفع ولا تضر (( قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شيئا وَلا يَضُرُّكُمْ ) ) [1] .

ـ فإذا كنت تقول بأنك توقن يقينا تاما بأن هناك أسد يجرى نحوك ويقترب منك ولم تتصور خطورة هذا الأمر ولم تنتبه لهذا الخطر ولم تخف منه ولم تسرع بالهرب فأنت كذاب أو يقينك بأنه أسد ضعيف.

ـ فكذلك معنى أن يعلم الإنسان أن له ربا والاها يعني أن هناك أحدا غير الإنسان لا تراه ذو قدر وقدرات هائلة فوق قدرات الإنسان، وأنت وما تملك عبارة عن جزء من ممتلكاته، وكل أمرك بيده، ألا يدعوا ذلك إلى أن ترهبه وتخافه وتشعر بالذل والضعف أمامه، فإذا لم تشعر بالخوف من الله، فهذا يعني أن الله في نظرك مجرد اسم متشابه مع الاسم الحقيقي، فالشيء الذي لا يؤثر على مشاعر الإنسان هو شيء لا ينفع ولا يضر كالصنم.

ـ فكلمة (إله) في اللغة أي الذي تتحير وتندهش من مدى قدرته وعظمة صفاته ففي النهاية في غريب الأثر: (( ألِهَ يألَهُ إذا تَحَيَّر، يُريد إذا وقع العبد في عظمة اللّه تعالى وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف وهمه إليها ) ) [2] ، وفي غريب الحديث لابن قتيبة: (( أَلِهَ يَالَه إذا تحيِّر كأَنَّ القُلوب تالَهُ عند التفكّر في عَظَمة اللّه ) ) [3] .

ـ مثال (5) :

ـ لو قيل لك أن هناك اثنين من الكائنات الفضائية العملاقة يسيران معك في كل لحظة وهما في صورة اختفاء فلا تستطيع رؤيتهما ويحملان كاميرات مراقبة خفية ويسجلان عليك كل حركة وسكنه وكل كلمة حيث تحاسب على كل شيء، إنك عندئذ تشعر بخطورة الأمر، فأنت تعيش وصورة هذه الكاميرات وهي ترصدك لا تفارق ذهنك في كل أعمالك، أما لو قيل أن هناك ملكين يسجلان عليك كل شيء فقد تنظر إلى ذلك كما تنظر إلى أمر لا قيمة له أو كأنه أمر لا يخصك فلا تشعر بأي قيمة أو خطورة لهذا الأمر فهذا يدل على أن اليقين بوجود الملكين هو يقين نظري فقط.

مثال (6) :

ـ أنت عندك يقين واقتناع نظري تام بعذاب القبر وسؤال الملكين، فلو قام إليك أحد الموتى ليخبرك عن ما كان من سؤال الملكين وعذاب القبر فتقول له وأنت بارد القلب: أنا أعرف ذلك وأكثر منه، فلو جاء بعصاه وضربك بها لكان محقا ويقول لك أنت ليس لديك أي شعور عن عذاب القبر لأنك لا تشعر بمدي خطورة هذا الأمر وألم هذا العذاب.

ـ مثال (7) :

ـ لو أن إنسانا يعيش في منزل آيل للسقوط، لكنه لا يريد أن يغادر المنزل فماذا يصنع؟، يتناسى الأمر كأنه غير حاصل ويشغل تفكيره بأمور أخرى حتى لا ينشغل تفكيره بذلك الأمر، وهذا من الغباء طبعا وهو بذلك يلغي عقله.

ـ كذلك الدنيا سوف تنتهي في أي لحظة، لكنه لا يريد أن يترك الدنيا التي يعتبرها داره وفيها متاعه فماذا يصنع؟، يتناسى الأمر كأنه غير حاصل ويشغل تفكيره بأمور أخرى حتى لا ينشغل تفكيره بذلك الأمر، وهذا من الغباء طبعا وهو بذلك يلغي عقله، أما العاقل فيظل تفكيره منشغلا بهذا الأمر طالما أنه ما زال مقيما في هذه الدنيا.

ـ مثال (8) :

ـ المتغافل عن حقيقة وجوده وحكمة خلقه هو مثل رجل دخل مغارة مظلمة في مكان موحش، فوجد عند مدخلها بقايا لجثة إنسان، فما كان منه إلا أن وضع رأسه وأسلم جفنيه للنوم، غير آبه بما يحتمل أن يكون في جوف هذه المغارة من

(1) الأنبياء: 66

(2) النهاية في غريب الحديث والأثر ـ المكتبة العلمية - بيروت (1/ 62)

(3) غريب الحديث لابن قتيبة ـ مطبعة العاني - بغداد (3/ 728 ـ 728)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت