الحقيقي هو اليقين والتصديق والإيمان بالشيء مع الشعور بقيمته.
ـ فاليقين النظري بأمر ما معناه أنه يعرف ويعلم ويفهم ويوقن ويصدق ويقتنع ويؤمن بالأمر لكنه يتجاهله ويتناساه ويتغافل عنه ويتغابى، أي كأنه نسيه أي عامله معاملة الناسي له، كأنه لا يعرفه وكأنه لا يعلمه وكأنه لا يفهمه وكأنه لا يفقهه، كأنه لم يسمع عنه وكأنه لم يراه وكأن الإنسان مجنون لا يعقل الأمر، كأن ذلك الأمر غير موجود أو موجود ولكن كأنه لا قيمة له، فهو يعرض عن الأمر ويدبر عنه ويتولى عنه ويتركه ويتلهى عنه ويتشاغل بغيره ولا يتدبره ولا يتذكره ولا يتفكر فيه، فأصبح الأمر كأنه لا معنى له ولا قيمة، أي أنه أفرغ الكلمة من محتواها فأصبحت كأنها مجرد اسم بلا مسمى.
ـ وباختصار هو قد عطل أهم وظيفة في الإنسان وهي الشعور بالقيمة، فبذلك تعطلت وظائف العقل والسمع والبصر وجميع وظائف الإنسان.
ـ ومن ناحية أخرى فكل من بلغته الدعوة وكان عنده شعور بالقيمة، فكانت وظائفه سليمة لم تتعطل (قلبه سليم) ، فإنه يؤمن بالضرورة لأن الرسل جاءت بالبينات والحجج الواضحة، فالآيات تبين أن القلب إذا كان سليما غير مطبوع عليه فإنه يقبل الإيمان بمجرد أن يعرفه: (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إليه يُرْجَعُونَ ) ) [1] ، وكل من عطل عقله فلم يشعر بقيمة الأشياء فلن يؤمن: (( وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ ) ) [2] .
ـ اليقين الكاذب (اليقين مع التناسي) :
ـ هناك أمران متضادان ينفي أحدهما الآخر هو أن الإنسان يوقن بأمر ما ثم هو يتناساه كأنه لم يسمع عنه، فالتناسي نفى عنه يقينه بالأمر، فمثلا من كان يوقن بعظمة الله وعظمة قدره وقدرته ثم هو يتناسى ذلك فيصبح الخالق في نظره كأنه لا قدر له وكأنه لا قيمة لقدرته فهو ينسى الله فيقينه بعظمة الله وعظمة قدرته هو يقين كاذب، وكذلك من كان يوقن بخطورة الآخرة وأنها المصير وأن حياته وخلوده فيها ثم تكون في نظره كأنها لا قيمة لها فلا يتأثر بها همه ولا يخافها ولا يحمل لها هما ولا يعمل لها حسابا فهو ينسى الآخرة كأنه لم يسمع عنها فيقينه بالآخرة هو يقين كاذب.
ـ العلم النظري (الظاهري) والعلم الحقيقي:
ـ كل ما يصل إلى علم الإنسان سواء سمعه أو رآه فهو علم، فإما أن يعلم حقيقته فهو علم حقيقي وإما أن يعلم ظاهره وهو علم نظري (ظاهري) : (( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ ) ) [3]
ـ فقد يكون عبقريا من علماء الذرة ورغم ذلك لم يعقل ما في داخل هذه الذرة من العجب وأن وراءها قوة قاهرة فوق قوة الإنسان هي قوة الخالق وبالتالي يستسلم للخالق ويعيش خاضعا له، فهو عبقري في ظاهر الأمر لكن حقيقته انه لا عقل له.
ـ والعلم بالدنيا بالمقارنة بالعلم بالآخرة فلا قيمة له لأن الدنيا أصلا إلى زوال ولا قيمة لها، لذلك فالعلم هو العلم بالآخرة والغافل عن الآخرة ولو كان يعلم كل علوم الدنيا فهو جاهل ولا يعلم شيئا، فهكذا وصفه الله تعالى: (( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ [الروم: 6، 7] وفي تفسير مفاتيح الغيب: (( فرحوا بما عندهم من العلم ... يجوز أن يكون المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كما قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غافِلُونَ [الروم: 7] ، ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [النجم: 30] فلما جاءهم
(1) الأنعام: 36
(2) النمل: 81
(3) الروم: 7