فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 168

الطيبة ففي تفسير ابن كثير: (( {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا ـ وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله ـ بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة ) ) [1] .

ـ الإحساس باقتراب الآخرة واقتراب الموت وقصر الحياة في الدنيا:

ـ الإنسان منذ أن يولد يبدأ العد التنازلي، فكلما مرت ساعة نقص من عمره ساعة، والعد التنازلي مستمر فأنت توشك أن تبلغ، فأنت منذ ولدت تقطع الطريق إلى الله توشك أن تبلغ، فكل يوم يمر من عمرك هو اقتراب من أجلك لتصل إلى لقاء الله تعالى، (( قال فضيل بن عياض لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك توشك أن تبلغ، فقال الرجل: يا أبا علي إنا لله وإنا إليه راجعون، قال له الفضيل: تعلم ما تقول؟ قال الرجل: قلت إنا لله وإنا إليه راجعون، قال الفضيل تعلم ما تفسيره؟، قال الرجل: فسره لنا يا أبا علي، قال قولك إنا لله، تقول: أنا لله عبد وأنا إلى الله راجع، فمن علم أنه عبد الله وأنه إليه راجع، فليعلم بأنه موقوف ومن علم بأنه موقوف فليعلم بأنه مسئول، ومن علم أنه مسئول فليعد للسؤال جوابا، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: تستره، قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقى يغفر لك ما مضى وما بقى، فإنك أن أسأت فيما بقى أخذت بما مضى وما بقى ) ) [2] ، فإنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل.

ـ الإيمان الحقيقي بالآخرة ليس معناه الإيمان بوجود الآخرة فقط وإنما لابد مع ذلك من الإيمان الحقيقي باقتراب الآخرة والإيمان الحقيقي بقصر الدنيا واقتراب الأجل، فان الذي لا يشعر باقتراب الآخرة فان يقينه بالآخرة يقين كاذب، ولو كان هذا اليقين بالآخرة يقينا حقيقيا لشعر بقرب الآخرة فيقول تعالى: (( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) ) [3] أي: يرون وقوعه بعيدا، والمؤمنون يرون ذلك سهلا قريبا، (( أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ) ) [4] ، (( وَمَا أمر السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) [5] ، (( إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ) ) [6] ، (( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) ) [7] .

ـ فمن عرف قصر حياته في الدنيا عرف اقتراب الآخرة، ومن عرف ضآلة الدنيا عرف خطورة الآخرة، ومن قصر أمله في الدنيا عرف الخلود فيها، ومن عرف ضآلة نفسه عرف عظمة ربه، ومن عرف في نفسه صفات النقص والضعف عرف صفات الكمال في الله تعالى، والعكس صحيح فالذي يُعَظّم في قدر أهمية الدنيا وقدر متعها ومدى قدرات الإنسان ومدى التكنولوجيا التي صنعها فهو لا يعرف الله ولا يعرف الآخرة، لذلك فغرور الإنسان بنفسه وغروره بالدنيا وغروره بما يملك يجعله لا يعرف الآخرة، بل الذي يعظم قدر ما يعمله من الطاعات فيغتر بذلك أو يعظم قدر رحمة الله به فيغتر ويظن أنه من أهل الفردوس الأعلى في جنات النعيم فهو مغرور، لذلك فالشيطان يسمى الغَرور لأن هذا دوره في إغواء الإنسان فيقول تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) ) [8] فالشيطان يجعل الإنسان يغتر برحمة الله فيظن أنه من أهل الجنة، ولذلك يسمى متاع الدنيا بمتاع الغرور لأنه متاع إغراء وليس بمتاع حقيقي: (( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ) [9] ، لذلك من فوائد الابتلاءات هي أن يكون الإنسان عاريا مما يغتر به فيعرف ضعف نفسه فيعرف ربه، (( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ) ) [10] ، (( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) ) [11] ، (( وَإِذَا مَسَّ الْإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) ) [12] .

ـ الإحساس باقتراب الآخرة معناه الشعور كأن أهوال القيامة تهجم علينا، وتعنى أننا الآن في حالة استعداد وتأهب للقائها كاستعدادنا لحرب عدو قادم إلينا ففي تفسير الطبري: (( يعني تعالى ذكره بقوله(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) : دنت الساعة التي تقوم فيها القيامة، وقوله (اقْتَرَبَتِ) افتعلت من القُرب، وهذا من الله تعالى ذكره إنذار لعباده بدنوّ القيامة، وقرب فناء الدنيا، وأمر لهم بالاستعداد لأهوال القيامة قبل هجومها عليهم، وهم عنها في غفلة ساهون )) [13] .

(1) تفسير ابن كثير (ج: 4، ص: 601)

(2) حلية الأولياء (ج: 3، ص: 404)

(3) المعارج: 6، 7

(4) النجم: 57

(5) النحل: من الآية 77

(6) النبأ: من الآية 40

(7) القمر: 1

(8) فاطر: 5

(9) الحديد: من الآية 20

(10) سورة النحل: 53

(11) العنكبوت: 65

(12) الزمر: 8

(13) تفسير الطبري (ج: 22، ص: 565)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت