ـ لو أن إنسان محكوم عليه بالإعدام وهو ينتظر تنفيذ الحكم وينتظر لقاء الله عن قريب، ماذا يمكن أن يفعل؟ وكيف يكون شعوره بالدنيا؟، هل يظل قلبه متعلق بالدنيا وبما فيها؟، أم أنه سوف لا يتعلق قلبه إلا بالآخرة وما هو صائر إليه؟، إن جميع الناس في الدنيا محكوم عليهم بالإعدام بالفعل وليس على سبيل البلاغة، مع اختلاف كيفية الموت هل بالمرض أم حادثة أم بالقتل أم موت فجائي، إن عمر الإنسان في الدنيا ولو كان مائة سنة فهي سنوات قليلة وأيام معدودة لمن يعقل سواء في مرورها سريعا أو بالمقارنة بالخلود في الآخرة، إذن فالإنسان ينتظر قريبا تنفيذ الحكم بموته وانتقاله إلى الدار الآخرة فلابد أن يكون حاله مثل حال الإنسان المحكوم عليه بالإعدام وهو ينتظر تنفيذ الحكم بل أشد لأن تنفيذ الحكم هنا في أي لحظة مفاجئة دون معرفة الوقت المحدد لتنفيذ الحكم، فمن كان يوقن يقينا حقيقيا بالآخرة فإنه يوقن يقينا حقيقيا بقصر العمر في الدنيا وأنه على وشك الوصول إلى الآخرة، ومن كان يوقن بذلك فلن تتعلق مشاعره وهمومه وأهدافه بالدنيا إلا مثل عابر السبيل أو المسافر الذي يستعد للرحيل والعودة إلى بلده، خاصة وأن الدنيا ليست إلا دار تعب ونصب، لذلك في المثل: (الدنيا أشغال شاقة وآخرتها الإعدام) .
ـ فالحياة في الدنيا قصيرة: (( قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ ) ) [1] ، (( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ) ) [2] ، (( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ) ) [3] ، (( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ) ) [4] ، (( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ) ) [5] فالدنيا يومين يوم مضى وبقي يوم.
ـ فما الحياة الدنيا إلا لحظات يقضيها الإنسان في دار الغربة كعابر سبيل يستعد للرحيل.
ـ اليقين الحقيقي بأن الآخرة خير وأبقى:
ـ الإنسان يعيش الحياة مرتان أو يعيش حياتان: (( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) ) [6] ، (( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) [7] ، (( وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإنسان لَكَفُورٌ ) ) [8] ، ولابد من الشعور بأن الحياة في الآخرة أفضل (( قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخرة خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ) ) [9] ، (( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخرة خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ) [10] ، (( وَلَأَجْرُ الآخرة خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) ) [11] ، (( وَالآخرة خَيْرٌ وَأَبْقَى ) ) [12] .
ـ إذا كان الإنسان يوقن يقينا حقيقيا بأن الحياة الأخروية خير وأبقى من الحياة الدنيوية فلابد أن يكون تعلق مشاعره وهمومه وأهدافه بالآخرة أكبر من تعلقها بالدنيا، وإذا شعر الإنسان أن هناك حياة أفضل بديلة عن هذه الحياة الدنيوية فلن يتشبث بها، فمن أثر ذلك مثلا أن الإنسان إذا أيقن يقينا حقيقيا بالحور العين وأن ذلك قريبا فلن ينظر إلى العاريات ويصبر عن النظر إليهن لان هناك البديل الأفضل القريب المنال، وإذا أيقن يقينا حقيقيا بان كل ما في الدنيا من متع مجرد أسماء فقط وان المتع الحقيقية إنما هي في الجنة فلن يلهث وراء متع الدنيا وسيصبر عنها ولن يعبأ بها لأنه قريبا سيصل إلي البديل الأفضل قريبا جدا، ولذلك نجد الآية مقترنة بالصبر: (( فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) ) [13] .
ـ (( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ) [14] فما أوتيت من مال وصحة وهواء ومال وعقارات ومظاهر ومناصب ... فمتاع الحياة الدنيا الضئيلة الزائلة، وما عند الله خير وأبقى.
ـ إن الدنيا ليست بشيء، ولو كانت الدنيا ذهبًا يفنى والآخرة خزفًا يبقى لكان العاقل اللبيب هو من يفضل الخزف الباقي على الذهب الفاني، فكيف والدنيا خزف يفنى والآخرة ذهب يبقى؟!، كيف يفضل الخزف الفاني على الذهب الباقي؟!، كيف نتهالك على الدنيا ونحن راحلون عنها؟!، ذلك لأن الإحساس بخطورة الآخرة غير موجود عندنا.
(1) المؤمنون: 113
(2) يونس: من الآية 45
(3) الروم: من الآية 55
(4) الأحقاف: من الآية 35
(5) النازعات: 46
(6) غافر: من الآية 11
(7) البقرة: 28
(8) الحج: 66
(9) النساء: من الآية 77
(10) الأنعام: 32
(11) يوسف: 57
(12) الأعلى: 17
(13) المعارج: 5 ـ 7
(14) القصص:60