فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 168

التي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار فتغلبوني فتقتحمون فيها )) [1] .

ـ مثال (5) :

ـ المتغافل عن حقيقة وجوده وحكمة خلقه هو مثل رجل دخل مغارة مظلمة في مكان موحش، فوجد عند مدخلها بقايا لجثة إنسان، فما كان منه إلا أن وضع رأسه وأسلم جفنيه للنوم، غير آبه بما يحتمل أن يكون في جوف هذه المغارة من وحوش ضارية، وهو يمنّي نفسه بالفرار إذا استيقظ، مع أن الموت قد يفاجئه في أي لحظة، ولذلك ففي الحديث: (( ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها ) ) [2] .

ـ فهذا الرجل على يقين تام بأن هذه المغارة فيها مخاطر كبيرة ورغم ذلك فهو يتجاهل هذه المخاطر وينام كأنه لا شيء، فهذا الرجل ليس لديه إحساس بخطورة الأمر ويقينه بالخطر هو يقين نظري فقط.

ـ مثال (6) :

ـ لو أن رجل يقوم ببناء بيت له وقد أتم بناء الحوائط والسقف ولكن ليس في البيت كهرباء ولا ماء ولا مفروشات، ودخل بيته ذات مره فوجد البيت فيه كهرباء وماء ورأى منضدة كبيرة في الصالة موضوع عليها طعام وشراب ووجد سرير موضوع في حجرة النوم ووجد كرة موضوعة في البيت، فإذا به يأكل من الطعام ويلعب الكرة وينام على السرير دون أن يسأل من أحضر كل هذه الأشياء ومن أدخل الكهرباء والماء إلى المنزل ولم يشعر بأي تعجب أو ذهول أو غرابة وكأن كل شيء عادى، وكل شيء موجود لأنه موجود كما هو، وظل على ذلك سنوات عمره كل يوم إذا دخل بيته يجد الطعام موضوع فيأكل ويلعب وينام، فهذا حال الإنسان الميت الذي ماتت وظائفه.

ـ وإذا كان هذا الرجل حي ورأى ذلك فإنه يفاجئ ويندهش ويشعر بالرهبة من غرابة الأمر ويشعر بالحب لمن أحضر هذا.

ـ إن الله ينبت الزروع من الأرض ليأكل الإنسان كأنها منضدة أعدت ليوضع عليها الطعام للإنسان، والأنهار تحمل المياه العذبة له، والشمس والقمر والنجوم تضيء له نهارا وليلا، والإنسان خرج من بطن أمه وكبر وعاش سنوات عمره كأن كل هذه الأشياء أمور عادية هو الذي وضعها لنفسه كأنه هو الذي جعل الأرض تنبت وصمم نظام السحاب بحيث يتجمع الماء العذب في الأنهار وجعل نظام إضاءة فصنع الشمس والقمر حتى لا يعيش في الظلام!، أو كأن الزرع يخرج من تلقاء نفسه ليفيد الإنسان، وكأن الماء والهواء هو الذي أوجد نفسه ويفيد الإنسان من تلقاء نفسه: (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ(35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ )) [3] ، ففي تفسير روح المعاني: (( أي إذا سئلوا من خلقكم وخلق السماوات والأرض قالوا: الله وهم غير موقنين بما قالوا إذ لو كانوا موقنين لما أعرضوا عن عبادته تعالى فإن من عرف خالقه وأيقن به امتثل أمره وانقاد له ) ) [4] .

ـ مثال (7) :

ـ إذا علم الإنسان حقائق علمية مثل اكتشاف أن الأرض كرة معلقة في الفضاء أو دوران الأرض حول نفسها أو دورانها حول الشمس، وكل هذه أمور عجيبة ومذهلة وأعجب من السحر ولكن لا يشعر بخطورتها إلا من كان له إحساس بقيمة هذه الحقائق العلمية.

ـ فإذا لم يشعر الإنسان بالتعجب والتحير ويشعر بضآلة الإنسان أمام عظمة هذا الكون وأنه أشد ضآلة أمام خالق الكون فيشعر بالخضوع والاستسلام لله فإنه بذلك يكذب بمشاعره أن الأرض كرة في الفضاء أو أنها تدور حول الشمس، وذلك رغم التصديق النظري التام بكل الحقائق العلمية، فهو يتغافل عن خطورة هذه الأمور ويتجاهلها وهو في الحقيقة لا عقل له.

ـ إذن فالذي يتعامل مع هذه الحقائق العلمية كمعرفة نظرية فقط هو في الحقيقة يُكَذِّبْ بهذه الحقيقة غير موقنا بها يقينا حقيقيا، فهو يتغافل ويتجاهل هذه الآيات من آيات الله الدالة عليه، فإذا كان تعامله كذلك مع كل ما يعرفه ويراه من آيات الله من أرض وسماء وزرع وجبال وكائنات وكذلك مع إعجاز القرآن والسنة فهو قد كفر بآيات الله رغم يقينه النظري التام بآيات الله تعالى أي أنه لا يوقن بها يقينا حقيقيا.

ـ مثال (8) :

ـ تصور لو أن رجلا عاد من الآخرة إلى الناس ماذا يمكن أن يقول لهم؟، إنه سوف يقول للناس: ليس أمامكم إلا ثواني معدودة والعد التنازلي مستمر، فأنتم مقبلون على خطر هائل جدا من أشد ما يمكن ويوشك أن تلحقوا بالآخرة فأدركوا أنفسكم، لكنه سوف يجد الناس هادئين تماما ويعتبرون أن هذه الحياة التي يعيشونها سنوات طويلة وعمر مديد وليست ثواني معدودة،

(1) حديث صحيح (صحيح الجامع برقم 5858)

(2) حديث حسن (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3662)

(3) الطور: 35 - 37

(4) روح المعاني (27/ 38)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت