فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 168

ويعتبرون الذهاب إلى الآخرة مثلما يتسلى الإنسان بلعبة ممله قد مل منها، إنه سوف يجد الناس يعيشون في هروب وتجاهل للموت وهروب وتجاهل للآخرة وهروب وتجاهل وتغافل عن الله، رغم أن هذا الهروب وهذا التجاهل والتغافل لن يغير من حقائق الأمور شيء فالخطر قائم وهم مقبلون عليه رضوا أم لم يرضوا والأمر خطير وعظيم: (( قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ) ) [1] ، فهم يعيشون في غيبوبة مثل السُّكْرْان الذي لا يدري ما الذي ينتظره، وإذا كان هناك أحد عنده شيء من الإحساس بقدر الآخرة فتكون درجة شعوره ودرجة إفاقته لا تتناسب أبدا مع خطورة الحدث، فالآخرة هي الحقيقة الكبرى المرعبة: (( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) ) [2] ، وقد سبقنا إليها الكثير والدور علينا، وكان أبو الدرداء يقول: (( لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت، ما أكلتم طعامًا على شهوة، ولا شربتم شرابًا على شهوة أبدًا، ولا دخلتم بيتًا تستظلون به، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم، ولوددت أنى شجرة تعضد ثم تؤكل ) ) [3] ، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (( ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته وصلى حتى ينكسر صلبه ) ) [4] ، ورغم ذلك فلا يزال البعض يتغافلون عن الآخرة، فمتى تزول الغشاوة عن هذا الخطر القريب الخطير؟!.

ـ إن الآخرة فوق مستوى الخيال وأشد رعبا من كابوس مرعب وأشد رعبا من رؤية أشباح وأعجب من السحر، لكن الآخرة في مشاعر البعض عالم عادي جدا لا خطورة منه ولا مشكلة فيه مثل حواديت، فمثل هؤلاء يفاجئون بعد الموت بعالم حقيقي أخطر وأعجب وأغرب من هذه الأشياء، فيرون الملائكة ويفاجئون بالحساب والجنة والنار: (( وَنُفِخَ فِي الصُّور فَإِذَا هُم مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ(51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ )) [5] .

ـ عندما يرى الإنسان كابوس مرعب فإنه قد لا ينام عدة أيام فإنه كلما نام رأى الكابوس، ويكون في حياته قلقا متوترا خائفا منزعجا وصورة الكابوس لا تفارق عينه ولا يستطيع أن ينساها، فالآخرة أشد في خطورتها من أي كابوس لأن فيها أهوال أشد من أي كابوس، فضلا عن أنها حقيقة وليست كابوسا، فالذي يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا لا تفارق صورة الآخرة ذهنه: (( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ )) [6] .

ـ ربما تسمع أساطير عن إنسان رأى عفاريت وأشباح أو أن مكانا معينا مسكونا بالعفاريت، هذه أمور مرعبة، فالملائكة والجن من حولنا الآن أشد رعبا من هذه العفاريت فضلا عن أنها حقيقة، فأي عاقل يوقن يقينا حقيقيا بأنه يعيش وحوله كائنات أكثر رعبا من العفاريت ثم لا يشعر بالقلق والخوف من مهابتها، وأي عاقل يوقن يقينا حقيقيا بأنه سوف يرى هذه الملائكة ويرى الأهوال ثم لا يشعر بالقلق والخوف من مهابة الأمر.

ـ إذن إذا لم يكن عند الإنسان أي قدر من الشعور بخطورة الآخرة فهذا معناه أنه لا يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا رغم وجود اليقين النظري التام بالآخرة.

ـ مثال (9) :

ـ إذا كان أحد الناس يركب سيارة وفي أثناء الطريق وجد يافطة مكتوب عليها: (احذر أمامك مطب) مثلا، هو قرأها ويعرف أن أمامه خطر يجب أن يحذر منه، ولكنه لم يبالي بالأمر ولم يهدئ من سرعته فانقلبت به السيارة، إن هذا الرجل كأنه سكرانا أو فاقد الوعي لأنه لم يشعر بخطورة الأمر فما فائدة المعرفة النظرية بأن أمامه خطر؟، فهو تغافل عن الأمر وتجاهله ولم يعبأ به، كذلك فوجود الله والآخرة هو أمر خطير يجب أن تحذره وتتقيه: (( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ) ) [7] ، (( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ) ) [8] ، (( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ) [9] .

ـ مثال (10) :

ـ إذا جاء إليك طفل من أولادك وتحدث إليك في موضوع تافه، فأنت تشعر أن الطفل وكلامه ليس له قيمة، ولكن إذا جاء إليك مديرك في العمل وتحدث إليك في أمر ينبني عليه ترقيتك إن أديته أو فصلك من العمل إن فشلت فيه، فأنت تشعر بقدر المتكلم وخطورة الكلام، فإذا لم تشعر بقدر المتكلم وخطورة الكلام فكأنك مجنون كأنك لا تعرف أن المتكلم هو مديرك في العمل وكأنك لم تسمع كلامه، فلا قيمة للسماع عندئذ، فمعرفتك بأن هذا الرجل هو مديرك في العمل وبأن هذا الموضوع خطير هي معرفة نظرية فقط.

(1) صّ: 67، 68

(2) الحج: 2

(3) تزكية النفوس (1/ 74)

(4) إحياء علوم الدين (4/ 163)

(5) يس: 51، 52

(6) التكاثر: 5، 6

(7) البقرة: 235

(8) المائدة: 92

(9) الزمر: 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت