فَقَالَ أَيْ سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ اعْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاصْفَحْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ الَّذِي أَعْطَاكَ وَلَقَدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُونَهُ بِالْعِصَابَةِ فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [1] ، ومعنى (فيعصبوه بالعصابة) أي اتفقوا على أن يعينوه ملكهم وكان من عادتهم إذا ملكوا إنسانا أن يتوجوه ويعصبوه، ومعنى (شرق بذلك) أي غص ومعناه حسد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالذي منع عبد الله ابن أبي ابن سلول من أن يكون من المؤمنين الصادقين ليس عدم اليقين فقد كان موقنا بما يقوله الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولكن الذي منعه هو أنه لا يريد أن يترك الملك كما أنه يحسد النبي أنه سيكون قائدهم، ومما يدل على أنه يصدق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَيُّهَا الْمَرْءُ لَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا) .
ـ فالمنافقين يصدقون بما جاء به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويقولون ذلك بألسنتهم، ورغم ذلك يبين الله أنهم كاذبون: (( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) ) [2] ، وذلك لأن التصديق الذي عند المنافقين هو تصديق نظري وليس تصديقا حقيقيا، وهم في قرارة أنفسهم يعلمون أن يقينهم هذا نظريا و ليس جادا، وهم يخافون إظهار حقيقة يقينهم النظري الهزلي كنوع من الوقاية حتى لا يقول الناس عنهم كافرين، ولكنهم ليس لديهم إحساس بخطورة غياب اليقين الحقيقي من قلوبهم فلا يهتمون بذلك ولا يبالون.
ـ وهناك دليل آخر هو أن اليقين النظري بأنه لا إله إلا الله موجود عند جميع الناس مسلمين وكافرين لأنهم يصدقون بدعوة الرسل وبما قالت به الرسل: (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) [3] ، ولقد كان أبو طالب يقول: (( لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا، ولا يعني بقول الأباطل ) ) [4] ، فإذا سألت أحدا من الكفار هل على الإنسان أن يخضع لله ويحبه ويخافه ويرجوه ويطيعه فيقول نعم، إذن هو يوقن نظريا بألوهية الله.
ـ ورغم ذلك فإن القرآن يجعل العلم بأنه لا إله إلا الله شرطا من شروط الإيمان: ففي تفسير النسفي: (((وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أى ولكن من شهد بالحق بكلمة التوحيد وهم يعلمون أن الله ربهم حقا )) [5] ، وفي تفسير القرطبي: (( إلا من شهد بالحق يعني عزيرا وعيسى والملائكة فإنهم يشهدون بالحق والوحدانية لله وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به ) ) [6] ، وفي تفسير زاد المسير: (("إلا من شهد بالحق"وهو أن يشهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم وهذا مذهب الأكثرين منهم قتادة ) ) [7] ، (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ) [8] ، وفي الحديث: (( من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ) ) [9] .
ـ إذن المقصود بالعلم هنا هو العلم الحقيقي واليقين الحقيقي بأنه لا إله إلا الله، وهو ما ينشأ عنه خوف المهابة والحب والخضوع وخوف العقاب ورجاء الثواب والطاعة.
ـ المعلومات أربعة أنواع:
1ـ معلومات لا قيمة لها:
ـ هي معلومات غير مهمة أو غير مؤثرة أو ضئيلة القدر أو التي لا نفع فيها ولا ضرر أو التي لا تحقق سعادة ولا تحقق ألم أو التي لا لذة فيها ولا ألم أو التي فيها لذة ضئيلة أو ألم ضئيل، فمثلا إذا أخبرتك بأن الحيوان له أربعة أرجل أو بأن الشمس تشرق في الصباح أو بأن الأذن تجعل الإنسان يسمع واللسان يجعله يتكلم وهكذا، فهذه معلومات لا تثير انتباهك وليست ذات قيمة عندك وليس لها نفع أو ضرر عليك.
2ـ معلومات ذات قيمة عظيمة:
هي معلومات مهمة ومؤثرة أو عظيمة القدر أو التي فيها نفع كبير أو ضرر كبير أو التي تحقق سعادة أو ألم أو التي فيها لذة أو ألم، فمثلا إذا أخبرتك أن أباك قد مات، أو أنك قد فزت بجائزة عظيمة، أو أن بيتك يحترق الآن، فهذه معلومات تثير انتباهك و ذات قيمة عندك ولها نفع أو ضرر كبير عليك.
3ـ معلومات لا قيمة لها وتبدو كأنها عظيمة القيمة:
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب اللباس باب الارتداف على الدابة (7/ 257) وفي صحيح مسلم (ج: 5، ص: 182، برقم:4760)
(2) المنافقون: 1
(3) الأنعام: من الآية 33
(4) مصباح الظلام (1/ 135)
(5) تفسير النسفي (ج: 4 ص: 12)
(6) الجامع لأحكام القرآن (ج: 16، ص: 122) ـ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي ـ دار الشعب ـ القاهرة.
(7) زاد المسير في علم التفسير ـ عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي ـ المكتب الإسلامي ـ بيروت (ج: 7، ص: 334)
(8) محمد: 19
(9) تحقيق الالباني: صحيح (صحيح الجامع برقم: 6552)