ـ وذلك مثل ضآلة الدنيا وضعف الإنسان (ضآلة ما سوى الله) ، فالدنيا عبارة عن قطعة من الطين مغطاة بقشرة من الذهب، ففيها تزيين وخداع كبير جدا فتبدو للناظر على أنها عظيمة القيمة والقدر، فلابد من الإحساس بمدى ضآلتها وحقيقتها.
ـ وكذلك الإنسان فهو عبارة عن قطعة مصنوعة من الطين لا تستطيع أن تتحرك ولا أن ترى ولا أن يكون لها روح ولا أن تملك شيئا فكل ذلك لا يتم بواسطتها ومن ذاتها ولكن كل ذلك موضوع فيها وضعه الخالق فيها، فالإنسان ليس هو الذي جعل نفسه إنسانا ولكنه مصنوع بيد غيره، فهذه الإمكانيات الموضوعة في الإنسان من العقل المبهر والإرادة القوية والقوة العضلية كل ذلك فيه تزيين وخداع كبير جدا فببدو الإنسان لنفسه أنه عظيم القيمة والقدر فيستكبر ويتأله على الله، فلابد من الإحساس بمدى ضعف الإنسان.
ـ فضآلة الدنيا وضعف الإنسان هي معلومات غير مؤثرة لأن الشيء الضئيل أو الضعيف ليس له قيمة أو أهمية، وهذا يؤدي إلى عدم تأثر مشاعر الإنسان بالدنيا أو بنفسه، لأن نفسه ذات قيمة ضئيلة لا حول لها ولا قوة، وهذا معناه الشعور بالخضوع والشعور بالتوكل.
ـ فكل الناس يعرفون أن الدنيا وما فيها إلى زوال، وأن كل ما فيها من متع فهي ضئيلة ومؤقتة (( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ) ) [1] ، وأن السعادة لا تتحقق بالمال ولا بالجاه، وأن الإنسان مخلوق ضعيف لأنه نشأ من نطفة لا حول لها ولا قوة ثم طفل ضعيف ثم فترة شباب صغيرة ثم ضعف الشيخوخة ثم الوفاة ومفارقة الأحباب والملذات وكل شيء، كما أنه ضعيف القدرات أمام خلق السماوات والأرض، وجميع الناس يعرفون ذلك تماما ويوقنون بذلك تماما، لكن ذلك اليقين عند البعض لا يزيد عن أنه يقين نظري فقط، أما اليقين الحقيقي عندهم هو عكس ذلك تماما، فاليقين الحقيقي الذي في شعورهم ومشاعرهم والذي يظهر أثره عليهم هو أن المال والجاه والشهوات والدنيا ذات قيمة كبيرة وعظيمة في نظرهم ومشاعرهم، وأنهم خالدين فيها، وأن كل ما فيها من متع فهي كبيرة ودائمة، وأن السعادة تتحقق بالمال والجاه، وأن الإنسان مخلوق قوي حر، فالإحساس بالقيمة غائب عندهم.
ـ قال تعالى: (( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ) [2] ، فالدنيا لها زينة خادعة تجعل الزراع يعجبون بها ثم لا تلبث أن تكون حطاما، وفي الحديث: (( إن مطعم ابن آدم قد ضرب للدنيا مثلا فانظر ما يخرج من ابن آدم ـ وإن قزَّحه وملحه ـ قد علم إلى ما يصير ) ) [3] فالدنيا مثل الطعام يبدو لذيذا وشهيا في البداية لكنه يتحول إلى براز، فظاهر الدنيا أنها حلوة خضرة وحقيقتها أنها مثل البراز.
ـ والدنيا مثل النار، والناس مثل الفراش، والنار تبدو مضيئة جميلة فيقترب منها الفراش حتى يقعوا فيها فيموتوا، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشد الناس بعيدا عنها وينذرهم وهم يقعون فيها، ففي الحديث: (( مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار فتغلبوني فتقتحمون فيها ) ) [4] .
ـ فالدنيا في ظاهرها حلوة لكنها في حقيقتها لا تساوى شيئا، ففي الحديث: (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ) ) [5] ، وفي حديث آخر: (( ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ) ) [6] .
ـ فالشهوات ضئيلة القيمة ولكنها مغلفة بغلاف خادع يجعلها تبدو أنها عظيمة القيمة جدا وبذلك تجذب الناس لها فيقعون فيها وحينئذ لا يجدوا غير متع ضئيلة القيمة، فلابد أن تصل درجة الإحساس بالقيمة من القوة بحيث أنها تكشف حقيقة هذا الخداع، ولابد أن يكون هذا الإحساس بالقيمة من القوة بحيث يؤدي إلى أثره بحدوث خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع.
ـ فمثلا قد يكون عند الإنسان يقين نظري تام بأن المال لا يحقق السعادة وأن قيمة المال ضئيلة، لكن إحساسه وانبهاره بعظمة قيمة المال كبير، وقلبه يتقطع حبا للمال وهمه مشغول بجمعه وكل عمله لتحصيل المال ثم يقول بلسانه واقتناعه النظري أن المال لا قيمة له فحقيقة اليقين عند هذا الإنسان هو أن المال عظيم القيمة.
ـ ومثلا إذا ذهبت لشراء مشغولات ذهبية من محل صائغ، وأحضر لك البائع مشغولات ذهبية غاية في الجمال وأشكالها مبدعة، ولكن بعد أن رجعت إلى البيت اكتشفت أن هذه المشغولات الذهبية ليست ذهبا وإنما هي تقليد، فأنت هنا انبهرت بالشيء الذي تشتريه ولم تشعر بحقيقة هذا الشيء، فهكذا الدنيا تبدو كأنها مشغولات ذهبية فإذا لم تشعر بحقيقتها فكنت غافلا عن
(1) النحل: من الآية 96
(2) الحديد: 20
(3) التخريج: صحيح (السلسلة الصحيحة: ج: 1، ص: 731، برقم 382) ، وقزَّحه أي وضع عليه التوابل.
(4) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 5858 في صحيح الجامع)
(5) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3240)
(6) حديث صحيح (رواه مسلم ـ برقم 5156)