حقيقة ضآلتها فإنك تغتر بها، فيؤدي هذا التزيين الخادع إلى تأثر المشاعر بها والعمل لها ثم بعد أن تشتريها تكتشف ضآلتها أو تظل غافلا لم تنتبه بعد شراءها ويوم القيامة تكتشف ضآلتها.
ـ فوظائف الإنسان أصبحت معطلة عن العمل كأنها ميتة، فإذا كان أمام الإنسان قطعة من الطين وقطعة من الذهب فكلاهما في شعوره سواء لأنه أصبح فاقد الإحساس بالقيمة، فيستحب قطعة الطين ويتعامى عن ضآلتها ويتعامى عن حقيقة قطعة الذهب، فالدنيا قطعة من الطين والجنة قطعة من الذهب وكلاهما حقيقة واقعة لكنه لا يرى لقطعة الذهب قيمة ويغتر بزينة على قطعة الطين.
ـ فالدنيا لا قيمة لها ولكنها مزينة بغطاء خادع فتبدو في منتهى الأهمية وذات قيمة عظيمة جدا، والغيبيات عكس ذلك، فهي أمور لا نراها وهي من أخطر ما يمكن، فالإنسان الذي ليس لديه إحساس بقيمة وحقيقة الأشياء يكون مخدوعا جدا بالدنيا ولا يرى الآخرة ذات قيمة، فهذا الإنسان كالسكران أو الميت، وهذا الإنسان إذا تفكر بحضور قلب اكتشف المفاجئة المذهلة حيث يتحقق عنده الإحساس بالقيمة عندئذ.
ـ فلو عرض عليك إنسان أن تشتري جدي بدرهم واحد فقط ولكن المشكلة أن هذا الجدي ميت فهل توافق؟، طبعا لا لأن هذا الجدي ميت فلا قيمة له ولا فائدة منه فلا تعبأ به لأنه لا قيمة له ولا تتفاعل مشاعرك وهمومك وأهدافك به، وهذا ما علمه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه ففي الحديث عن جابر بن عبد الله: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في السوق داخلا من بعض العالية والناس كنفيه فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟، فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به، قال أتحبون أنه لكم؟، قالوا: لا، قال ذلك لهم ثلاثا فقالوا لا والله لو كان حيا لكان عيبا فيه أنه أسك ـ والأسك الذي ليس له أذنان ـ فكيف وهو ميت قال فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم ) ) [1] .
4ـ معلومات ذات قيمة عظيمة وتبدو كأنها لا قيمة لها:
ـ وذلك مثل عظمة قيمة وخطورة الغيبيات، فالغيبيات مثل قطعة من الذهب موضوعة داخل كومة من القش، فالغيبيات هي أمور لا نراها، فالأمر يبدو كأنه ليس ذو قيمة، والمطلوب هو الإحساس بمدى قيمتها لأنها كنز عظيم ينبغي الوصول إليه، أو هي قنبلة داخل كومة قش، فالأمر يبدو كأنه ليس ذو قيمة فينبغي الاهتمام لها حتى نتجنب عاقبتها.
ـ فمعرفة وجود الله ومدى قدرته وعظمته، ومعرفة وجود الآخرة ومدي خطورتها وما فيها من أهوال وأنها المستقبل والمصير هي معلومات خطيرة جدا، وجميع الناس يعرفون ذلك تماما ويوقنون بذلك تماما، لكن ذلك اليقين عند البعض لا يزيد عن أنه يقين نظري فقط.
ـ الكذّاب في ادعاءه اليقين:
ـ الإنسان الذي يقول بلسانه أنه يوقن بشيء وهو لا يوقن به يقينا حقيقيا فهو كذاب فيما يقول، وحقيقة الأمر عنده أنه لا يوقن بذلك الشيء وأنه مكذب به.
ـ فالذي يقول أنه يوقن بوجود الآخرة، لكنه لا يوقن بالآخرة يقينا حقيقيا فهو كذاب فيما يقول، وحقيقة الأمر عنده أنه لا يوقن بالآخرة وأنه مكذب بوجود الآخرة، والذي يقول أنه يوقن بالموت، لكنه لا يوقن به يقينا حقيقيا فهو كذاب فيما يقول، وحقيقة اقتناعه أن الدنيا باقية وانه لن يموت.
ـ فالإنسان يقول بمشاعره وانفعالاته ما لا يقوله بلسانه، وحقيقة اليقين عنده هو ما تكون عليه مشاعره وانفعالاته.
ـ فمثلا الآخرة تعني الأهوال والمصير والمستقبل، فكيف لإنسان عاقل يصدق بهذا ولا تنشغل مشاعره بمصيره ومستقبله، ذلك لأن الآخرة ليس لها وجود حقيقي في مشاعره، فالذي يقول بأن الدنيا ضئيلة فانية والآخرة هي الحياة والمتع الحقيقية ثم تجد مشاعره منقطعة عن الآخرة ومتجهة إلى الدنيا فهو كذاب، ولو كان صادقا فيما يقول لتعلقت مشاعره بالآخرة، لأن الدنيا في مشاعره هي الحياة والمستقبل والمصير، ومن هنا نستطيع أن نفهم معنى الصدق الحقيقي (صدق المشاعر) ، فإن اقتناعه بأن الدنيا ضئيلة فانية والآخرة هي الباقية هو اقتناع كاذب، وإنما هو يقول بمشاعره: (( إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) ) [2] رغم أن الاقتناع النظري تام بالآخرة إلا أنه اقتناع كاذب، فالآخرة في الاقتناع النظري عنده خطيرة ومصيرية لكنها في المشاعر ودودة أليفة لا مشكلة فيها وليس لها تأثير حقيقي علي المشاعر.
ـ فالإنسان قد يقول بلغة المشاعر ما لا يقوله بلغة القول باللسان، فقد يقول الإنسان بلسانه وبيقينه النظري شيء ولكن بمشاعره يقول شيء آخر، فالمشاعر تكشف حقيقة القول عند الصادق والكاذب في إدعائه الإيمان.
ـ فالمسلم الغافل عن الله والآخرة ليس لله في شعوره قدر ولا قيمة ولا للآخرة، فهو يقول بلسانه لا إله إلا الله وعنده يقين نظري بذلك، لكن حقيقة اليقين عنده هو أنه لا إله ولا حياة إلا الحياة الدنيا، أو لا إله إلا المال أو المظاهر ... الخ.
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (الأدب المفرد ج: 1، ص: 334، برقم: 962)
(2) المؤمنون: 37