فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 168

ـ فمثلا قد يكون عند الإنسان يقين نظري تام بأن قيمة المال ضئيلة ويقول ذلك بلسانه، لكن إحساسه وانبهاره بعظمة قيمة المال كبير، فحقيقة اليقين عند هذا الإنسان هو أن المال عظيم القيمة، ويتضح حقيقة اليقين عند الإنسان من أثر الغفلة على مشاعره وعمله فقد تجد قلبه يتقطع حبا للمال وهمه مشغول بجمعه وكل عمله لتحصيل المال ثم يقول بلسانه واقتناعه النظري أن المال لا قيمة له، فهذا الإنسان يحاسب يوم القيامة على حقيقة يقينه أن المال عظيم القيمة عنده.

ـ ومثلا كل إنسان عنده اقتناع نظري تمام وبلا أدنى شك أنه قد يصل إلى سن الشيخوخة وتضعف قواه أو أنه قد يتعرض لأمراض أو محنة، لكن بلسان المشاعر فكأنما يقول: لن أمرض أو أضعف أو أصل إلى الشيخوخة أو لا أريد أن أمرض او أضعف أو أصل إلى الشيخوخة، فهذا في لغة المشاعر هراء ولا يمكن أن يحدث أبدا!: (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ) [1] ، إن الإنسان لو شعر فعلا بخطورة أنه قد يتعرض للمرض والمحن لشعر بالخوف والقلق وشعر بمدي ضعف الإنسان وشعر بأن هناك قوة أعلي من الإنسان تفعل به ما تشاء، وشعر بالخضوع لهذه القوة، ولتغير حاله تماما، ولذلك من الناس من إذا وصل إلى سن الشيخوخة، أو من النساء من إذا وصلت إلى سن اليأس، أو إذا تعرض لمرض أو محنة فإنه يستنكر ذلك ولا يسلم به ويحدث له اكتئاب شديد لأنه لا يريد لنفسه أن يمرض ولا يريد أن يموت رغم أن الناس من حوله يمرضون ويموتون، فهو بمشاعره يعترض أولا على إمكانية حدوث المرض أو المحنة، وينشأ عن ذلك أنه يعترض أيضا بمشاعره على الله وأن ذلك مقدر أو بأن هذا ظلم وتعدي عليه بدون وجه حق، ونفس الشعور قد يحدث له عند خروج الروح لأن الله يسلب منه كل شيء، وذلك رغم الإيمان النظري التام بالقضاء والقدر وبالموت، وذلك الإيمان النظري عندئذ لا قيمة له، ولذلك فالشرع يعبر عن الإيمان بالقضاء والقدر بالرضا بالقضاء والقدر، والرضا هو شعور داخلي وليس مجرد يقين نظري، فعدم الرضا هو اعتراض بالمشاعر وإن كان موقنا يقينا نظريا وإن كان يقول بلسانه أنه راض وفي الحقيقة الشعور بالرضا غير موجود فقلبه متسخط.

ـ ومثلا آيات القرآن تبين أن الدنيا لعب ولهو والإنسان يصدق بذلك، لكن تتأثر مشاعره بشدة بالأعمال الدنيوية، فهو بذلك يقول بمشاعره أن الأعمال الدنيوية وأمور الدنيا غاية في الأهمية، فحقيقة اليقين عنده أن الدنيا ليست لعب ولهو، وإن كان يقول بلسان المقال وبلسان الاقتناع أنها لعب ولهو كما تقول الآيات بذلك.

ـ والعكس صحيح مع الغيبيات فإحساسه بقيمة وخطورة الغيبيات وتأثر مشاعره بها غير موجود، فهو بذلك يقول بلسان المشاعر أن الغيبيات لعب ولهو، وإن كان يقول بلسان المقال وبلسان الاقتناع أنها غاية في الأهمية والخطورة كما تقول الآيات بذلك، فغياب الإحساس بقدر الله والآخرة، أي التغافل والتجاهل والتعامي والتغابي والتناسي والتشاغل والتلهي عن الله والآخرة معناه أن الإنسان يقول بلسان المشاعر أنه لا وجود للخالق ولا وجود للآخرة، رغم وجود اليقين النظري التام بالله والآخرة.

ـ إذن فالتكذيب يكون بطريقتين هما:

1ـ إما أنه يقول بلسانه أنه لا يوقن بالآخرة مثلا.

2ـ أو يقول بلسانه أنه يوقن بالآخرة وهو لا يوقن بها يقينا حقيقيا، فهو في حقيقته يكذب بالآخرة.

ـ الإنسان يعطل وظائفه لإخفاء الاستكبار (عدم الخضوع) :

ـ عندما يسمع الإنسان دعوة الرسل يحدث الرفض لدعوة الرسل بإحدى طريقتين هما: إما أنه لا يقتنع بالأدلة والحجج والدلائل التي جاءت بها الرسل، وهذا مستحيل لأن الرسل جاءت بالبينات والدلائل والحجج واضحة لأي عاقل تدل على صدق هذه الدعوة، لذلك فجميع الناس مسلمين وكافرين عندهم تصديق نظري تام بصدق دعوة الرسل، حتى الملحدين والعلمانيين في ظاهر أمرهم أنهم يجحدون وجود الله والآخرة ولكن في قرارة أنفسهم يقرون بوجود الله والآخرة، وفي تفسير ابن كثير: (( {وَجَحَدُوا بِهَا} أي: في ظاهر أمرهم، {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} أي: علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله، ولكن جَحَدوها وعاندوها وكابروها، {ظُلْمًا وَعُلُوًّا} أي: ظلما من أنفسهم، سَجِيَّة ملعونة، {وَعُلُوًّا} أي: استكبارًا عن إتباع الحق ) ) [2] . (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) [3] .

ـ والطريقة الثانية لرفض دعوة الرسل هو أن يستكبر، فدعوة الرسل معناها أن يخضع الإنسان لله، فيستكبر فلا يخضع، رغم أنه مقتنع نظريا بأن عليه أن يخضع، لذلك فالإنسان إما مؤمن أو مستكبر ولا يوجد شيء ثالث، أي إما خاضع أو غير خاضع، ففي تفسير البغوي: (( {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا} تكبروا عن الإيمان بها، وإنما ذكر الاستكبار لأن كل مكذب وكافر متكبر، قال الله تعالى"إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون") ) [4] .

(1) البقرة: 96

(2) تفسير ابن كثير (ج: 6، ص: 181)

(3) الأنعام: من الآية 33

(4) تفسير البغوي (ج: 3، ص: 227)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت