ـ فالإيمان الحقيقي بالله يتحقق عندما يشعر الإنسان بقوة الله وقدرته وعظمته وضعف نفسه وما ينشأ عن ذلك من الحب والخضوع والخوف والرجاء والطاعة، والإيمان الحقيقي بالآخرة يتحقق عندما يشعر الإنسان بخطورة الآخرة وضآلة الدنيا وما ينشأ عن ذلك من خوف المهابة من أهوالها وخوف العقاب والشعور بالغربة والطاعة.
ـ ولاحظ أن البشر ليس فيهم ضعيف وقوي، فجميعهم ضعفاء والله وحده هو القوي: (( الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) ) [1] ، وما عند الناس من صور القوة ما هي إلا عطاء من الله إليهم وليست ملكا لهم، فالقوي بحق هو الذي يمتلك صفات القوة والقدرة، فليس لأحد أن يتكبر على أحد أو يستعبده أو يستذله، والله وحده هو المتكبر المعظم الذي يأمر الناس بأن يذلوا له ويركعوا له ويخضعوا له ويسجدوا له ويعيشوا عبيدا أذلاء لسيدهم رب العالمين، وهذا شرف لهم وعزة لهم.
ـ مفهوم العزة والقوة:
ـ العلم والمال وكل ما يمتلكه الإنسان من مميزات وشهوات وقدرات كالعقل والإرادة هو مصدر عزة وقوة له، فمن يشعر بأنه يمتلك هذه الأمور فإنه يشعر بأنه قوي وليس بضعيف وبالتالي لا يخضع لأحد، أما الذي يشعر بأنه لا يملك شيئا وإنما كل هذه الأمور هي عطاء من الله ملكا لله وليست ملكا للإنسان فيشعر بأنه ضعيف وفقير وأنه مدين لإحسان من أحسن إليه، فيشعر بأنه ضعيف وبالتالي فإنه يخضع لله القوي العزيز.
ـ الفرق بين اليقين النظري واليقين الحقيقي بأن الله هو العزيز:
ـ اليقين النظري بأن الله هو العزيز موجود عند الكفار وكل الناس: (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) ) [2] ، ورغم ذلك فالكفار يتخذون أصناما لتكون لهم عزا، ويبتغون العزة في أصنامهم: (( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ) ) [3] ، (( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) ) [4] .
ـ أما اليقين الحقيقي بأن الله هو المتكبر والعزيز يؤدي بالضرورة إلى الخضوع من خوف المهابة لقدرته والحب لله تعالى، والذل والاستسلام.
ـ كما أن اليقين الحقيقي بأن الله هو المتكبر والعزيز والقوي يؤدي إلى حب الانتساب إلى الله لينال العزة، فيذل أمام الله ولا يذل لغيره، أي اختار أن يكون الله سيدا له أي اختار أن يكون عبدا لله حبا لينال العزة فيشعر بالعزة بالله (فإن القوة عند سيدك قوة لك والعزة عند سيدك عزة لك) ، والشعور بالعزة هو شعور بالانتماء والانتساب إلى شيء يجد فيه النفع له ومصلحته ويستمد منه ما ينفعه ويعلي من شأنه، فإن كان يشعر أن غير الله لا ينفع ولا يضر ويشعر أن الله وحده هو النافع الضار فلن يرتكن ويلجأ وينتسب إلى غير الله، وعندئذ يشعر بالعزة بالله، ومن العزة أن الإنسان يرى تحصيل الحسنات أكثر حبا وفرحا من تحصيل الأموال لأنه يعرف (معرفة حقيقية بالمشاعر) قيمة الحسنات لأنه يشعر بقيمة الآخرة وخطورتها.
ـ ولذلك تأمر الآيات بالعلم بأن الله هو العزيز: (( وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) [5] ، (( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) [6] .
ـ اليقين الحقيقي بأن الله هو العزيز يؤدي إلى الشعور بخوف المهابة: (( فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) ) [7] :
ـ عكس التكبر الخضوع وعكس العزة الذل وعكس القوة الضعف، فالذي يكون متكبرا عزيزا قويا بحق يكون إلها، والذي يكون خاضعا ذليلا ضعيفا يكون عبدا.
ـ فالله هو القهار المسيطر، والعبد يكون مقهورا واقعا تحت سيطرته، والله يكون قادرا والعبد لا يقدر على شيء، فالذي يستطيع أن يسيطر على غيره ويقدر عليه، ويستطيع أن يعطيه أو يمنعه ويحرمه فهو قوي مسيطر والآخر ضعيف خاضع، فالله هو الملك على كل الناس وكل شيء، والمسيطر على كل الناس وكل شيء، ويستطيع أن يهلك الناس أو يعطيهم أو يمنعهم، وهذا يستلزم قدرة وعلم على عمل ذلك الأمر.
(1) البقرة: من الآية 165
(2) الزخرف: 9
(3) مريم: 81
(4) النساء: 139
(5) البقرة: من الآية 260
(6) البقرة: من الآية 209
(7) فاطر: من الآية 10