فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 168

ـ فالكبرياء والعزة من أخص خصائص الإله، فالإله هو الذي يكون فيه هاتين الصفتين، والعبد هو الذي تكون فيه صفة الخضوع والذل، ففي الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه: (( قال الله عز وجل: الكبرياء ردائي والعزة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار ) ) [1] .

ـ إذن فالإله هو الذي تخضع له لأنه يقدر عليك فأنت ضعيف وهو قوي، (( وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) ) [2] .

ـ الإنسان إما أن يعترف بضعفه أو يدعي القوة، ويكون ذلك كالتالي:

1ـ إما أن يدعى القوة فهو يدعي أنه يملك أسباب القوة من مال وجاه وسلطان وشهوات، بحيث يكون هذا الأمر في شعوره فهو بذلك يدعي بمشاعره وليس بلسانه أنه ليس عبدا وإن كان على يقين تام بأنه عبد لله.

2ـ أو يعترف بضعفه ويعترف بأن الله هو صاحب القوة، فهو يستمد العزة من انتسابه إلى الله، وهذا هو الذي يعبد الله تعالى.

ـ اليقين الحقيقي بأن الله هو العزيز يؤدي إلى العزة بالله وبالتالي حب الله تعالى: (( فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) ) [3] :

ـ أسباب القوة والعزة والكبرياء هي ملك لله وليست ملكا للإنسان، وبالتالي فالله هو القوى العزيز المتكبر وليس الإنسان، فالإنسان يعتز بما عنده من مال أو جاه أو سلطان .. الخ، والله صاحب كل النعم فهو العزيز والناس أذلاء، والإنسان يظن أنه غني بما عنده من مال أو جاه أو سلطان ... إلخ، والله صاحب كل هذه النعم فهو الغني والناس الفقراء، والإنسان يتكبر علي غيره بما عنده من مال أو جاه أو سلطان .. فالله صاحب كل هذه النعم، فالله هو المتكبر والناس جميعا عبيد إحسانه أذلاء إليه فقراء إليه محتاجون إليه، إن كل ما ينفع الإنسان فهو نعمة والله صاحب كل النعم، إذن غير الله لا ينفع ولا يضر، فالله هو النافع الضار، والإنسان يعتز بما ينفعه ولا ينفعه إلا الله، إذن لا يعتز الإنسان إلا بالله وبدينه، وقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمتى ابتغينا بغير الإسلام أذلنا الله ) ) [4] ، فينبغي أن ينظر المرء إلى الناس بقدر اتصالهم بالله فينظر إلى الإنسان الذي يرى أنه موصولا بالله باحترام وتوقير وحب في الله وإن كان لا يملك من الدنيا شيئا، وينظر إلى صاحب الدنيا (من مال وجاه ... الخ) الذي يبدوا عليه أنه بعيد عن الله بغير احترام ولا تقدير في نفسه، كما ينظر بعزة إلى الإنسان البسيط الذي لا يملك قدرات أو كفاءات أو خبرات، ينظر إليه باعتزاز إذا كان يراه يتجه بقلبه إلى الله ويعيش من أجل الآخرة، كما يعتز الإنسان بدينه فيشعر بأن اكتسابه للحسنات أفضل من الدنيا وما فيها.

ـ إن العزيز هو الذي تستمد منه العزة والفخر لتجد فيه عزتك، فمن الناس مَنْ يجد عزته وفخره بما عنده من مال أو جاه أو سلطان أو وضع اجتماعي .... الخ ونبين ذلك كالتالي:

ـ قد يعتز المرء بنفسه (عزة النفس أو كرامة النفس أو الكبر) ، وطالما أن الإنسان هو نفسه ملك لله تعالى فلا يجب أن يعتز بنفسه، وإنما يعتز بالله، فالإنسان لا يجب أن يغضب لنفسه أو ينتصر لنفسه ولكن يغضب لله وينتصر لله، فهو يعمل لمصلحته ومصلحته في الجنة، وهذا هو المحرك للعمل، وقد يعتز بالمكان أو الوطن أو الزمان أو العصر الذي يعيش فيه، فالزمان والمكان مخلوقين وملك لله تعالى، وقد يعتز المرء بالأصحاب وإن الأصحاب نعمة وملك لله تعالى، فالله مالك كل شيء، إذن لا يأنس المرء إلا بالله، وقد تعتز المرأة بجمالها، فالجمال نعمة وملك لله تعالى ورزق من الله، فلا معني لأن يعتز المرء بما لا يملك، وقد يعتز المرء بقوته أو صحته أو ما يصنعه من تكنولوجيا ومخترعات فكل ذلك ملك لله تعالى (راجع الشعور بأن الله هو المالك) .

ـ الانتماء إلى الوطن أو القومية أو حضارة معينة كالفرعونية أو الجنس أو النسب أو العائلة أو المكانة الاجتماعية أو الشهادات العلمية والألقاب أو فريق كوره ... الخ بحيث يستمد الإنسان شرفه وعزه وفخره في هذه الأشياء وينسب نفسه إليها فذلك ذنب من الذنوب قد يصغر فيصبح صغيرة من صغائر الذنوب، وقد يكبر حتى يصبح ابتغاء للعزة في هذه الأشياء واتخاذهم آلهة ليكونوا لهم عزا، وذلك رغم اليقين التام بأن الله وحده هو العزيز وأنهم لا يجدون العزة إلا في الله ولكن كل ذلك يقين نظري وليس حقيقي، فهم إذا وصلوا إلى هذا الحد من تعلق مشاعرهم وهمومهم وأهدافهم بذلك وابتغاءهم العزة في غير الله فقد وقعوا في النفاق الأكبر من غير أن يشعروا بخطورة ما وقعوا فيه: (( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ) ) [5] ، (( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) ) [6] .

(1) حديث صحيح (السلسلة الصحيحة ج: 2، ص: 79، برقم: 541)

(2) البقرة: من الآية 165

(3) فاطر: من الآية 10

(4) تفسير ابن كثير (ج: 4، ص: 40)

(5) مريم: 81

(6) النساء: 139

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت