فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 168

ـ وكذلك من يعتز بما معه من مال، أي يفرح بما معه من مال، أي يحس في نفسه بالسعادة بما يمتلك من المال وذلك مثلما فعل قارون: (( إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) ) [1] ، وكذلك من يفرح في نفسه بما معه من الدنيا والشهوات أو بالابتلاءات التي تحدث لغيره من الناس.

ـ وكذلك من يعتز بقوة جسمه أو بما عنده من علم وخبرة أو بجماله أو بمظهره أو بما يمتلك من حطام الدنيا الفانية أو بآباءه أو أقاربه بما عندهم من سلطان وجاه وبما لهم من صلاحيات وقدرات، وكذلك التشبه بممثلين أو مغنيين أو لاعبين اعتزازا بهم وتفاخرا بالانتماء إليهم الخ، فكل ذلك ذنوب تصغر لتصبح من صغائر الذنوب وتكبر لتصبح وقوع في النفاق الأكبر لأنه يشعر بذلك أن العزة عند غير الله فيطلب العزة من غير الله.

ـ وكذلك الانتساب إلى الآخرين ومودتهم لما عندهم من أسباب القوة كالشهرة أو المال أو القدرة على الحرب أو الجاه أو السلطان كموالاة المشركين ومودتهم لما عندهم من قوة ابتغاء العزة بهم ونصرتهم.

ـ ولأن كل أسباب القوة من مال وجاه وسلطان ... الخ هي ملك لله فلا يحق لأحد أن يدعي العزة عنده أو عند غيره من الناس (لما عنده من أسباب القوة أو لما عند غيره من أسباب القوة) ، فالعزة كلها لله لأن القوة كلها لله تعالى.

ـ وكذلك من يعتز بما اكتسبه من خبرة في عمله، أو بما اجتازه من نجاحات أو عقبات مرت به في حياته، أو من علم، فيشعر أن الفضل يرجع له، خاصة عندما تكون له كفاءات ليست عند غيره من الناس، ويشعر أن ما يتميز به عن غيره من الكثير من الناس أو بعضهم هو من كده وتعبه والفضل يرجع لذكائه مثلا أو لقدراته أو لخبرته، والمشكلة من ناحيتين هما أنه يضخم من حجم هذه الأمور الدنيوية البسيطة، وأنه يشعر بأن الفضل يرجع له، ويغتر بما عنده من قدرات، فينسى الإنسان قدره الحقيقي، وينسى ما كان عليه قبل أن يحقق هذه الأمور سواء من نجاحات أو اجتياز عقبات، وينسى أن ما في الدنيا من سعادة أو شقاء ليس بشيء لأن السعادة أو الشقاء إنما هي في الآخرة والدنيا زائلة بما فيها من سعادة أو شقاء ضئيلة وزائلة، فلا يفرح الإنسان بشيء من الدنيا، فمشكلة قارون أنه كان يفرح ويعتز بما عنده من مال ويظن أنه من كسب يده وبفضله هو: (( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي )) [2] ، فكل ما يعمله الإنسان أو يصنعه من تكنولوجيا مثلا أو يكتسبه من خبرة أو علم هو من الله ففي تفسير الطبري: (( عن قتادة"والله خلقكم وما تعملون [3] "بأيديكم ) ) [4] أي الله خلقك وخلق ما تعمله أنت بيدك، فليس لك فضل في شيء، فالأمر كله لله والفضل كله لله تعالى، فلابد ألا ينسى الإنسان الحكمة التي تقول: (رحم الله إمرءا عرف قدر نفسه) ، ورغم أن الإنسان مطالب بالأخذ بهذه الأسباب إلا أنها لا تنفع ولا تضر، فمن ناحية أنها لا تنفع ولا تضر فهي لعب ولهو، لأن الشيء الذي لا ينفع ولا يضر هو لعب ولهو، ولكن الله أمر بها كنوع من الاختبار ليرى هل سيفرح الإنسان بها ويعتز بها فتجعله يغفل عن الله أم يعملها وهو يعلم أنها لهو ولعب لا تجلب رزقا ولا تقدم ولا تؤخر؟.

ـ وكذلك الشعور بالمهانة والذل بسبب الفقر أو عدم وجود المكانة الاجتماعية أو الشهادة العلمية ... الخ، فهو بذلك يرى العزة في هذه الأمور الدنيوية رغم أنه لا يملك شيئا منها، والتحسر عند ذكر أصحاب الثروات أو النفوذ أو الدنيا، ويرى في نفسه الأنفة والكبر عن أن يصاحب فقراء أو من هم أقل منه في المكانة الاجتماعية، ويتبرأ من الأصحاب الذين هم أقل من مستواه الدنيوي، ويشعر بالخزي والعار إذا كان له أقارب فقراء أو لا يملكون شيئا من حطام الدنيا، وهكذا، وفي تفسير ابن كثير: (( وقوله: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي: ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض {لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول البعثة ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قومُ نوح لنوح: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ} الآية [هود: 27] ، وكما قال هرقل ملك الروم لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل، فقال له: فهل اتبعه ضعفاء الناس أو أشرافهم؟ قال: بل ضعفاؤهم فقال: هم إتباع الرسل، والغرض: أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: {أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} ؟ أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير - لو كان ما صاروا إليه خيرا - ويدعنا، كما قالوا: {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11] ، وكما قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73] ، قال الله تعالى في جواب ذلك: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} [مريم: 74] ) ) [5] ، وفي تفسير ابن كثير أيضا: (( {فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} والملأ هم: السادة والكبراء من الكافرين منهم: {مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا} أي: لست بملك، ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا؟ ثم ما نراك اتبعك إلا أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا ) ) [6] .

(1) القصص: من الآية 76

(2) القصص: 76 ـ 78

(3) الصافات: 96

(4) جامع البيان عن تأويل القرآن (ج: 23، ص: 75) ـ محمد بن جرير بن يزيد الطبري ـ دار الفكر ـ بيروت

(5) تفسير ابن كثير (ج: 3، ص: 261)

(6) تفسير ابن كثير (ج: 4، ص: 316)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت