فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 168

ـ فمقياس القوة والضعف عند المؤمن هو مقدار ما عنده من إيمان بالله وانتساب إليه وليس بامتلاك أمور الدنيا، فالقوة والعزة والعلو عند المؤمن هي قدر الإيمان عنده، والكافر والمنافق ضعيف ذليل لأنه لا إيمان عنده: (( وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ) [1] ، (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) ) [2] ، (( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) ) [3] ، فالمسلم يستمد العزة من العزيز ويستمد العلو من الأعلى، لذلك فالمؤمن ينظر إلى الكافر على أنه ضعيف مسكين وإن كان يمتلك كل الدنيا، كما ينظر إلى حاله في الآخرة فيراه مسكين قد أهلك نفسه.

ـ العزة نوعين إما عزة بالله أو عزة بالدنيا، فتؤدي إلى حب الله أو حب الدنيا:

ـ من الناس من يفرح بأنه متدين لأنه يرى الدين أمر عظيم فيحبه ويحب أن ينسب نفسه له ويؤيده ويعتز بانتسابه له، فلا يرى الدين أعباء ولكن يراه خير له وكنز عظيم.

ـ ومن الناس من يفرح بأصحاب الثروات أو المناصب أو الشهوات أو يفرح بالثروات والمناصب والشهوات، لأن يرى أن هذه الأمور عظيمة القدر فيحبهم ويحب أن ينسب نفسه إليهم ويؤيدهم ويعتز بانتسابه لهم.

ـ وإذا تحقق الإحساس بالقيمة تغيرت نظرة الإنسان إلى ما حوله، لأنه يكتشف حقيقة الدنيا فيشعر بضآلتها، ويكتشف حقيقة الآخرة فيشعر بخطورتها، فتكون نظرته للأشياء نظرة أخروية وليست نظرة دنيوية، فمثلا إذا وقع بصره إلى نساء متبرجات فإنه يغض بصره ولا يكون تفكيره في زينتهن ولكن تفكيره في أن زينتهن فانية وهن أموات كجيف نتنة تحت التراب مثل مصير كل البشر، وهن يلقون جزاء تبرجهن في الآخرة، وكذلك لا ينظر إلى أصحاب الجاه والسلطان نظرة انبهار ولكن يتذكر أنهم صائرون إلى القبور ويتركون كل شيء، وكذلك ينظر إلى الظلمة على أنهم ضعفاء مساكين وهم في النار يعذبون فيشفق عليهم في الدنيا وهم يوردون أنفسهم موارد الهلاك: (( إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) ) [4] وهكذا، وكذلك تتغير نظرته إلى الذنوب فيشعر بألم الذنب وأنه يحاسب عليه أمام الله: (( إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا أي بيده فذبه عنه ) ) [5] .

ـ سبب العزة بغير الله هو التزيين والغرور:

ـ الإنسان يشعر بالانتماء إلى القومية أو الحضارة أو التكنولوجيا أو المال أو الشهوات أو الكورة .... الخ، وذلك لأن الشيطان يزين للإنسان أن هذه الأمور ذات قيمة كبيرة في حين أنها ذات قيمة صغيرة، كما يجعل الإنسان ينسى قدر الله، فإذا وصل الأمر لدرجة أن يكون شعوره بقدر القومية أو الحضارة .... الخ أكبر من شعوره بقدر الله وانتماءه لله فهذا معناه وقوع الإنسان في العزة بغير الله التي هي وقوع في النفاق الأكبر.

ـ فالعزة معناها الفرح، فهناك من يفرح بالمال إذا زين له الشيطان أن فوائد المال عظيمة: (( إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) ) [6] ، وهناك من يفرح بالله عندما يشعر بفضله وبرحمته: (( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) ) [7] .

ـ فالعزة بالله من أهم موجبات حب الله تعالى، فالإنسان بفطرته يحب أن يكون فيه صفات الكمال والجمال فإذا لم تكن فيه أحب الانتماء إلى من له هذه الصفات فيعتز ويفرح بانتمائه إليه ولأنه يرى قوة القوى قوة له ولأنه يستمد منه العزة والقوة.

ـ الضعيف يحتمي بالقوى ويعتبر ذلك قوة له ضد غيره ممن لا يحتمي بهذا القوى، فإذا أراد أن يعتدي عليه أحد لجأ إلى القوى الذي يحتمي به لينصره عليه، فهو يخضع للقوى خوفا من مهابته وحبا له في ذات الوقت لأنه يستمد منه القوة، لذلك فالخضوع الناشئ عن خوف المهابة والناشئ عن الحب هو أساس العبادة.

ـ أما الذي يرى نفسه قويا فهو لا يحتاج إلى أحد فهو يخضع لنفسه ويحب نفسه في نفس الوقت، فهو يعبد نفسه وفي نفس الوقت يجعل من نفسه إلها وكلاهما شيء واحد.

ـ حب صفات الكمال يؤدي إلى الخضوع حبا لله لينال العزة بالله:

ـ الله له كل الصفات المحمودة، والإنسان بطبعه يحب هذه الصفات ويحب من يتصف بها، ويعجب بها.

(1) آل عمران: 139

(2) المنافقون: 8

(3) فاطر: 10

(4) الشعراء: 135

(5) حديث صحيح (مشكاة المصابيح ج: 2، برقم 2358)

(6) القصص: من الآية 76

(7) يونس: 58

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت