فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 213

إن هذه البشرية - وهي مِنْ صُنْع الله - لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله؛ ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده - سبحانه - وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق، وشفاء كل داء: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الإسراء: 82] . . {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9] )) أهـ

وبناءً عليه:

يلزمُ العمل بأحكام القرآن، جملةً وتفصيلًا، والثقة به، دونَ بحثٍ عن سَنَدٍ له، أو دليلٍ لما قاله أو أمَرَ به؛ إِذْ هو أصلُ الأحكام، وهي فرعه، وإنما يُقَدَّمُ الأصل على الفرع، لا العكس.

ويلزمُ من ذلك أيضًا:

الحرص على حِفْظِه، ومُدَارَسَتِهِ، والتعبُّد به، والدفاع عنه، والغَيْرَة له إذا نال منه بعض الناس بوجهٍ من الوجوه؛ كالاستهزاء أو القدح ونحوهما.

ويلزم من ذلك أيضًا:

أَنْ تُتَّخذَ الإجراءات اللازمة لإِلْزَام الناس على الأخذ بالقرآنِ، والانصياع لأحكامه، والتسليم المطلق له، وترك التقديم بين يديه، على حَدِّ قول الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى: (( إذا نطقَ الكتابُ بشيءٍ وإِذا جاءت الآثارُ بشيءٍ جَسُرْنا [1] عليه ) ) [2] .

ومِنْ هنا تَعْلَم شناعة ما يقع فيه أكثر الناس -إلا من رحم الله- مِن التحاكم إلى غير كلامِ الله سبحانه وتعالى وتَرْكِ التحاكم إلى القرآن المقدَّس، المحفوظ مِن التحريف والتبديل، المُنَزَّه عن الزيغ والباطل.

وقد قال سبحانه وتعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] ، وفي آيةٍ ثانيةٍ: {هم الظالمون} [المائدة: 45] ، وفي آيةٍ ثالثةٍ: {هم الفاسقون} [المائدة: 47] .

يصف ربُّنا سبحانه وتعالى مَن لم يحكم بما أنزل الله بهذه الصفات الثلاثة في سياقٍ واحدٍ مِنْ سورة المائدة، مما يدلّ على عِظَم الجُرْم الذي يرتكبه المخالف لأحكام الله سبحانه وتعالى، المتَّبع لغير ما أنزل الله، الْمُعْرِض عن تحكيم كلام الله المنزَّه عن النَّقص والمتَّصفِ بالكمال المطلق.

(1) يعني: أَقْدَمْنا. والمراد: أننا نُقْدِم إذا نطقتْ نصوصُ الكتاب والسُّنَّة، ونسكتُ إذا سكتتِ النصوص، فنحن ندور مع النصوص، سكوتًا وإِقْدامًا.

(2) (( اعتقاد أهل السنة ) )لأبي القاسم اللالكائي (3/ 431) ، و (( العلو ) )للذهبي (ص/150) .

وانظر: (( مجموع الفتاوى ) )لابن تيمية (5/ 51) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت