وعقد القاضي عياض رحمه الله في ذلك فصلًا قال فيه:
«وحُكمُ مَن سبَّ سائرَ أنبياء الله تعالى وملائكته، واستخفَّ بهم، أو كذبهم فيما أتَوْا به، أو أنكرهم وجحدهم: حُكْمُ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - على مساقِ ما قدَّمْناه.
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ} الآية [1] [النساء:150] .
وقال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} الآية إلى قوله: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} [البقرة:136] [2] .
وقال: {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة:285] .
قال مالكٌ - في كتاب ابن حبيبٍ ومحمدٍ، وقال ابن القاسم وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ وسُحْنونٌ فيمن شتم الأنبياء، أو أحدًا منهم، أو تنقصه: قُتِلَ ولم يُسْتَتَبْ، ومَن سبَّهم مِن أهل الذِّمة قُتِل؛ إلا أن يُسلم.
وروى سحنونٌ عن ابن القاسم: مَن سبَّ الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كَفَرَ فاضْرِبْ عنقَه؛ إلا أن يُسْلم.
وقد تقدَّم الخلافُ في هذا الأصل.
وقال القاضي بقرطبة سعيد بن سليمان - في بعض أجوبتهِ: مَن سبَّ الله وملائكتَه قُتِلَ.
وقال سحنونٌ: من شتمَ مَلَكًا مِن الملائكةِ فعليه القتلُ.
وفي «النوادر» عن مالك - فيمن قال: إنَّ جبريل أخطأَ بالوحي وإنما كان النبيُّ عليَّ بنَ أبي طالب: اسْتُتِيبَ؛ فإن تابَ وإلاَّ قُتِلَ.
ونحوهُ عن سحنونٍ.
وهذا قول الغُرَّابيَّةِ مِنَ الرَّوافضِ سُمُّوا بذلك لقولهم: كان النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أشْبهَ بعليٍّ مِنَ الغُرابِ بالغُرابِ.
وقال أبو حنيفة وأصحابُه - على أصلِهم: مَنْ كذَّبَ بأحدٍ مِن الأنبياء، أو تنقَّصَ أحدًا منهم، أو بَرِئَ منه فهو مرتدٌّ.
(1) وتكملة الآية: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} .
(2) وتمام الآية: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .