فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 213

وقال أبو الحسنِ القابسيُّ في الذي قال لآخر: كَأَنَّهُ وجْهُ مالكٍ الغضبانِ: لو عُرِفَ أنَّه قَصَدَ ذَمَّ المَلَكِ [1] قُتِلَ.

قال القاضي أبو الفضل [2] : وهذا كلُّه فيمن تَكَلَّمَ فيهم بما قلناه على جملة الملائكة والنبيين، أو على مُعيَّنٍ ممن حقَّقْنا كوْنه مِن الملائكة والنَّبيِّين، ممن نصَّ الله عليه في كتابه، أو حقَّقْنا عِلْمه بالخبر المتواتر والمشتَهرِ المتَّفق عليه بالإجماع القاطع؛ كجبريلَ وميكائيلَ ومالكٍ وخزَنَةِ الجنة وجهنم والزَّبَانِيَةِ وحَمَلَةِ العرشِ المذكورينَ في القرآن مِن الملائكة، ومَن سُمِّيَ فيه مِنَ الأنبياء، وكعزرائيلَ وإسرافيلَ ورِضْوانَ والحَفَظَةِ ومنكرٍ ونكيرِ مِن الملائكة المتفق على قبولِ الخبرِ بهما [3] ، فأمَّا مَن لم تثْبتِ الأخبارُ بتعْيينهِ، ولا وقعَ الإجماعُ على كونه مِن الملائكةِ أو الأنبياء؛ كهاروتَ وماروتَ في الملائكة، والخَضِرِ ولُقمانَ وذي القَرْنين ومَرْيم وآسيَةَ وخالدِ بن سِنان المذكورِ أنَّه نبيُّ أهل الرَّسِّ وزَرادُشْتَ الذي تَدَّعِي المجوسُ والمؤَرِّخونَ نُبُوَّته: فليسَ الحُكمُ في سَآبِّهِمْ والكافِرِ بهم كالحُكْمِ فيمَنْ قدَّمْناه؛ إِذْ لم تَثْبت لهم تلكَ الحُرْمَةُ، ولكن يُزْجَرُ مَنْ تَنَقَّصَهم وآذاهم، ويُؤَدَّبُ بِقَدْر حالِ القولِ فيه؛ لا سِيَّما مَن عُرِفَتْ صِدِّيقِيَّتُه وفضلُه منهم، وإن لم تثبت نبوَّتُه، وأما إِنكار نبوَّتِهم أو كونِ الآخر مِنَ الملائكةِ؛ فإِن كانَ المتكلِّمُ في ذلكَ مِن أهل العلمِ: فلا حرَجَ؛ لاختلافِ العلماءِ في ذلكَ، وإِنْ كان مِن عوَامِّ الناسِ: زُجِرَ عنِ الخَوْضِ في مثلِ هذا؛ فإِنْ عادَ أُدِّبَ؛ إِذْ ليسَ لهمُ الكلامُ في مثلِ هذا، وقد كرهَ السَّلفُ الكلامَ في مثلِ هذا ممَّا ليسَ تَحتَه عملٌ لأهلِ العِلم فكيفَ للعامَّةِ؟! [4] » أهـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

« .. وذلك أنَّ الله أرسلَ الرسل إلى الناس لتبلّغهم كلام الله الذي أنزله إليهم؛ فمَنْ آمنَ بالرسل: آمَنَ بما بلَّغوه عن الله، ومَنْ كَذَّبَ بالرسلِ: كَذَّبَ بذلك.

فالإيمان بكلام الله: داخلٌ في الإيمان برسالة الله إلى عباده، والكفر بذلك هو الكفر بهذا. فتدبَّر هذا الأصل؛ فإنه فرقان هذا الاشتباه؛ ولهذا كان من يكفر بالرسل: تارةً يكفر بأنَّ الله له كلام أنزله على بشرٍ، كما أنَّه قد يكفر بربِّ العالمين؛ مثل فرعون وقومه.

قال الله تعالى: {أكان للناس للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} الآية [يونس:2] .

وقال تعالى عن نوح وهود: {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم} [الأعراف:63] .

(1) يعني: مالكًا خازن النار؛ أعاذنا الله منها.

(2) وهو القاضي عياض.

(3) يعني: الأنبياء والملائكة.

(4) «الشفا» للقاضي عياض (2/ 261 ـ 263) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت