وكلا الأَثَرَيْن ذَكَرَهما ابنُ أبي حاتمٍ [1] رحمهما الله عند هذه الآية، وذَكَرَ أيضًا [2] عن مقاتل بن حيان قوله في تفسير {إنكم إذًا مثلهم} قال مقاتل: «إِنْ قَعَدتم ورضيتم بخوضهم واستهزائهم بالقرآن فإِنَّكم إذًا مثلهم» .
وأورَدَ ابنُ أبي حاتمٍ عن مقاتل أيضًا في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} قال مقاتل: «إِنَّ الله جامع المنافقين من أهل المدينة، والمشركين من أهل مكة؛ الذين خاضوا واستهزؤا بالقرآن في جهنم جميعًا» .
قال الإمام القرطبيُّ رحمه الله:
«الخطاب لجميع مَنْ أَظْهَرَ الإيمان مِنْ مُحِقٍّ ومنافقٍ؛ لأَنَّه إذا أظهرَ الإيمان فقد لَزِمَه أَنْ يمتثل أوامر كتاب الله، فالْمُنَزَّل قوله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره} [الأنعام:68] وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخَرون مِن القرآن» .
قال القرطبيُّ رحمه الله:
«قوله تعالى: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره} ؛ أي: غير الكفر {إنكم إذًا مثلهم} ، فدلَّ بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأنَّ مَن لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفرِ كفرٌ؛ قال الله - عز وجل: {إنكم إذا مثلهم} .
فكل مَنْ جلسَ في مجلسِ معصيةٍ ولم يُنْكِر عليهم يكون معهم في الوِزْرِ سواءٌ، وينبغي أن يُنْكِرَ عليهم إذا تكلموا بالمعصيةِ وعَمِلُوا بها؛ فإِنْ لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون مِن أهل هذه الآية.
وقد رُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أَنَّه أخذَ قومًا يشربون الخمرَ؛ فقيل له: عن أحدِ الحاضرين: إِنَّه صائمٌ؛ فحملَ عليه الأدب، وقَرَأَ هذه الآية: {إنكم إذا مثلهم} ؛ أي: إِنَّ الرضا بالمعصيةِ معصيةٌ؛ ولهذا يُؤَاخَذُ الفاعل والراضي بعقوبةِ المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم. وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ولكنه إلزامٌ شُبِّه بحكمِ الظاهر مِن المقارنةِ؛ كما قال:
فَكُلُّ قَرِيْنٍ بالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي
وقد تقدم [3] . وإذا ثبتَ تجنُّب أصحاب المعاصي كما بَيَّنَّا فتجنُّب أهل البدع والأهواء أَوْلَى [4] » أهـ
(1) «تفسير ابن أبي حاتم» (4/ 1093 رقم 6126 - 6127) .
وكرَّرَ ابنُ أبي حاتم (4/ 1314 - 1315 رقم 7431) أثرَ التيمي عن أبي وائلٍ والنخعي في تفسير آية الأنعام [68] .
(2) السابق (4/ 1093 - 1094 رقم 6128 - 6129) .
(3) وقال ابن الجوزي رحمه الله في «زاد المسير» (2/ 228) : «وفي ماذا تقع المماثلة؟ فيه قولان: أحدهما: في العصيان. والثاني: في الرضي بحالهم؛ لأنَّ مُجَالِس الكافرِ غير كافرٍ» أهـ
وراجع كلام الطبري وغيره المذكور في الآية.
(4) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (5/ 417 - 418) .
ونحوه في «فتح القدير» للشوكاني (1/ 526 - 527) ؛ وراجعه.