فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 213

وقال الإمام برهان الدين البقاعي رحمه الله:

«ولما كانت آية الأنعام [1] مكية اقتصرَ فيها على مجرَّدِ الإعراض وقَطْعِ المجَالَسَةِ لعدم التمكُّن مِن الإنكار بغير القلب، وأما هذه الآية فمدنية، فالتغيير عند إنزالها باللسان واليد ممكنٌ لكل مسلمٍ، فالمجالِسِ مِن غير نكيرٍ راضٍ؛ فلهذا علّل بقوله: {إنكم إذًا} ؛ أي: إذا قعدتم معهم وهم يفعلون ذلك {مثلهم} ؛ أي: في الكفر؛ لأنَّ مجالسة المظهر للإيمان المصرِّح بالكفران دالة على أنَّ إظهاره لما أظهر نفاقٌ، وأنه راض بما يصرح به هذا الكافر، والرضى بالكفرِ كفرٌ، فاشتدَّ حُسْن ختم الآية بجمع الفريقين في جهنم بقوله مستانِفًا لجوابِ السؤالِ عمَّا تكون به المماثلة: {إن الله} ؛ أي: الذي أحاط عِلْمه فتَمَّتْ قدرته {جامع} .

ولَمَّا كان حال الأخفى أهم قدّم قوله: {المنافقين} ؛ أي: الذين يُظْهِرون الإيمان ويُبْطِنون الكفر، فيقعدون مع مَن يسمعونه بكفرٍ {والكافرين} ؛ أي: الذين يُجاهرون بكفرهم لرسوخهم فيه {في جهنم} التي هي سجن المَلِك {جميعًا} كما جَمَعَهُمْ معهم مجلسُ الكفرِ الذي هو طعنٌ في مَلِكِ المُلْك، والتسوية بينهم في الكفر بالقعود معهم دالة على التسوية بين العاصي ومُجَالِسِه بالخُلْطَةِ مِن غير إنكارٍ [2] » أهـ

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى (ت 1233) :

«فذكر تبارك وتعالى أنه نَزَّلَ على المؤمنين في الكتاب: أنهم إذا سمعوا آياتِ الله يُكْفَرُ بها، ويُسْتَهْزَأُ بها فلا يقعدوا معهم، حتى يخوضوا في حديثٍ غيره. وأنَّ مَن جلسَ مع الكافرين بآيات الله المستهزئين بها في حال كفرهم واستهزائهم فهو مثلُهم، ولم يُفرِّق بين الخائفِ وغيره؛ إلاَّ المكره.

هذا؛ وهم في بلدٍ واحدٍ في أول الإسلام، فكيف بمن كان في سَعَة الإسلام وعزِّه وبلاده، فدعا الكافرين بآياتِ الله المستهزئين بها إلى بلاده، واتخذهم أولياءً وأصحابًا وجلساءً، وسَمِعَ كفرَهُم واستهزَاءَهم وأقرَّهم، وطردَ أهلَ التوحيد وأبعدَهم؟ [3] » أهـ

(1) يعني قوله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم .... } الآية [الأنعام:68] .

(2) «نظم الدرر» للبقاعي (5/ 438 ـ 439) .

(3) رسالة: «الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك» للشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله.

بواسطة: «التوسط والاقتصاد» للشيخ علوي السقاف حفظه الله (ص/101 - ط: دار ابن القيم بالدمام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت