وقال القاضي عياض بن موسى رحمه الله في كتابه «الشفاء بتعريف حقوق المصطفى» ص 325 ما نصه: «واعلم أَنَّ مَن استخف بالقرآن أو المصحف، أو بشيء منه، أو سبهما، أو جحده، أو حرفًا منه، أو آية، أو كذب به، أو بشيءٍ مما صرح به فيه مِن حكمٍ, أو خَبَرٍ، أو أَثْبَتَ ما نفاهُ أو نفى ما أثبته، على عِلْمٍ منه بذلك، أو شكَّ في شيءٍ من ذلك - فهو كافر عند أهل العلم بإجماع, قال الله تعالى: {وانه لكتاب عزيز لا يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفة تنزيل من حكيم حميد} [فصلت:41 - 42] » انتهى المقصود.
وقال القاضي عياض في كتابه المذكور, في حكم سَبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ص 233 ما نصه: «اعلم وفقنا الله وإياك أَنَّ جميع مَن سَبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عابه أو أَلْحق به نقصًا في نفسه، أو نَسَبِهِ، أو دينه، أو خصلةً مِن خصاله، أو عَرَّضَ به أو شَبَّهُه بشيءٍ على طريق السبّ له أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له - فهو سابٌّ له، والحكم فيه حكم الساب؛ يُقْتَلُ كما نبينه، ولا نستثنى فصلًا مِن فصول هذا الباب على هذا المقصد، ولا نمتري فيه تصريحًا أو تلويحًا، وكذلك مَن لعنه، أو دعا عليه، أو تمنى له أو نسب إليه مالا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخفٍ من الكلام، وهُجْرٍ ومنكرٍ مِن القول وزور, أو عيّره بشيءٍ مما جرى مِن البلاء أو المحنة عليه, أو غَمَصَهُ ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لدية, وهذا كله إجماع العلماء وأئمة الفتوى مِن لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرَّا. قال أبو بكر ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أنَّ مَن سَبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يُقْتَلُ, وممن قال ذلك: مالك بن أنس, والليث, وأحمد, وإسحاق, وهو مذهب الشافعي» انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله في كتابه «الصارم المسلول على شاتم الرسول» ص 3 ما نصه: «المسألة الأولى: أنَّ مَن سَبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن مسلمٍ وكافر فإنه يجب قتله, هذا مذهبٌ عليه عامة أهل العلم» ثم نقل كلام أبى بكر ابن المنذر المتقدم ذِكْره - في كلام القاضي عياض - ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله ما نصه: «وقد حكى أبو بكر الفارسي - مِن أصحاب الشافعي - إجماع المسلمين على أنَّ حدّ مَن سَبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - القتل, كما أنَّ حدّ مَن سَبّ غيره الجلد, وهذا الإجماع الذي حكاه محمولٌ على إجماع الصدر الأول مِن الصحابة والتابعين، أو أنه أراد به إجماعهم على أنَّ سابَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يجب قتله إذا كان مسلمًا، وكذلك قَيَّدَهُ القاضي عياض فقال: أجمعت الأمة على قتل منتقصه مِن المسلمين وسابه.
وكذلك حُكِيَ عن غير واحدٍ الإجماع على قتله وتكفيره، وقال الإمام إسحاق بن راهويه - أحد الأمة الأعلام رحمه الله: أجمع المسلمون على أَنَّ مَن سَبّ الله، أو سَبّ رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو دفع شيئًا مما أنزل الله - عز وجل -، أو قتل نبيًا مِن أنبياء الله - عز وجل - أنه كافرٌ بذلك، وإِنْ كان مقرًّا بكل ما أنزل الله.
قال الخطابي رحمه الله: لا أعلم أحدًا مِن المسلمين اختلف في وجوب قتله.