فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 213

متناقضٌ أو مشتملٌ على بعض الخرافات التي أدخلها فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - مما تلقَّاهُ مِن بادية الصحراء أو غيرهم فقد زعم أنَّ بعضَهُ غير مُنَزَّلٍ مِن عند الله وأنه غير محفوظ، كما أنه بذلك قد وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه كذب على الله وأَدْخَلَ في كتابه ما ليس منه، وهو - مع ذلك - يقول للناس: إنَّ القرآن كلام الله, وهذا غاية في الطعن في الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووصفه بالكذب على الله وعلى عباده، وهذا مِن أقبح الكفر والضلال والظلم، كما قال الله سبحانه: {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكفرين} [الزمر:32] ، وقال - عز وجل: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شيء} [الأنعام:93] ، وقال تعالى: {قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة:65 - 66] .

ذكر علماء التفسير رحمهم الله أنَّ هذه الآية نزلت في جماعة كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك, قال بعضهم: ما رأينا مثل قُرَّائِنا هؤلاء أَرْغَب بطونًا ولا أكذب ألسنًا, ولا أجبن عند اللقاء. وقال بعضهم: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا, والله لكأَنَّا بكم غدًا مقرنين في الحبال. قال [1] بعضهم: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها, هيهات, فأنزل الله قوله سبحانه: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبا لله وءايته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة:65 - 66] الآية، فجاءوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون ويقولون: إنما كنا نخوض ونلعب, ونتحدث حديث الرَّكْب نقطع به عنا الطريق, فلم يعذرهم، بل قال لهم عليه الصلاة والسلام: {أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون, لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} فإذا كان هذا الكلام الذي قاله هؤلاء يعتبر استهزاءً بالله وآياته ورسوله, وكفرًا بعد إيمانٍ, فكيف بحال مَنْ قال في القرآن العظيم: إنه متناقض أو مشتمل على بعض الخرافات, أو قال في الرسول - صلى الله عليه وسلم: إنه إنسان بسيط لا يميز بين الحق والخرافة؟! لاشك أن من قال هذا هو أقبح استهزاءً, وأعظم كفرًا!

(ذِكْر كلام العلماء فيمن طعن في القرآن الكريم, أو الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم، أو استهزأ بهما, أو سَبّ الله, أو الرسول - صلى الله عليه وسلم -) [2]

قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن» عند تفسير هذه الآية ما نصه: «قال القاضي: أبو بكر ابن العربي: لا يخلو أن يكون ما قالوه في ذلك جدًّا أو هزلًا وهو كيفما كان كفرٌ, فإِنَّ الهزل بالكفر كفرٌ لا خلاف فيه بين الأمة» انتهى المقصود.

(1) هكذا في «الأصل» ، ولعل المراد: «وقال» بالواو قبلها.

(2) تابع لما قبله نقلًا عن المصدر والموضع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت