فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 213

فإن (ذات) تأنيث (ذو) ، وهو يُستعمل مضافًا يُتَوَصَّلُ به إلى الوصف بالأجناس، فإذا كان الموصوف مُذَكَّرًا قيل: ذو كذا، وإن كان مؤنثًا قيل: ذات كذا، كما يقال: ذات سوار، فإِنْ قيل: أُصِيبَ فلانٌ في ذات الله؛ فالمعنى: في جهتهِ ووجهته؛ أي: فيما أَمَرَ به وأَحَبَّهُ ولأجله.

ثم إِنَّ الصفات لما كانت مضافة إلى النفس فيقال في النفس أيضًا: إنها ذات عِلْمٍ وقدرة وكلام ونحو ذلك؛ حَذَفُوا الإضافةَ وعَرَّفوها فقالوا: الذات الموصوفة؛ أي: النفس الموصوفة، فإذا قال هؤلاء المُؤَكّدون: الذات؛ فإِنَّما يعنون به النفس الحقيقية، التي لها وصف ولها صفات.

والصفة والوصف تارةً يُرَادُ به الكلام الذي يوصف به الموصوف؛ كقول الصحابي في {قل هو الله أحد} [الإخلاص:1] : أُحِبُّها لأنها صفة الرحمن، وتارةً يُرَادُ به المعاني التي دَلَّ عليها الكلام؛ كالعلم والقدرة.

والجهمية والمعتزلة وغيرهم تُنْكِرُ هذه وتقول: إِنَّما الصفات مُجَرَّد العبارة التي يُعَبَّرُ بها عن الموصوف.

والكلابية ومَن اتَّبعهم من الصِّفَاتِية قد يُفَرِّقون بين الصفةِ والوصف، فيجعلون الوصفَ هو القول والصفةَ المعنى القائم بالموصوف.

وأما جماهير الناس فيعلمون أنَّ كل واحدٍ مِن لفظ الصفة والوصف مصدرٌ في الأصلِ؛ كالوَعْدِ والعِدَةِ، والوَزْنِ والزِّنَةِ، وأَنَّهُ يُرَادُ به تارةً هذا، وتارةً هذا.

ولما كان أولئك الجهمية ينفون أَنْ يكونَ الله وصفٌ قائمٌ به عِلْمٌ أو قدرة أو إرادة أو كلام -وقد أثبتها المسلمون- صاروا [1] يقولون: هؤلاء أثبتوا صفاتٍ زائدةً على الذات، وقد صار طائفة من مناظريهم الصفاتية يوافقونهم على هذا الإطلاق، ويقولون: الصفات زائدة على الذات التي وصفوا لها صفات ووصف، فيشعرون الناس أنَّ هناك ذاتًا متميزة عن الصفات، وأنَّ لها صفاتٍ متميزةً عن الذات، ويُشَنِّع نفاة الصفات بشناعاتٍ ليس هذا موضعها، وقد بَيَّنَّا فسادَها في غير هذا الموضع.

والتحقيق أنَّ الذاتَ الموصوفةَ لا تنفكّ عن الصفات أصلًا، ولا يمكن وجود ذاتٍ خالية عن الصفات، فدعوى المدعي وجود حيّ عليم قدير بصير بلا حياة ولا عِلْم ولا قدرة كدعوى قدرة وعلم وحياة لا يكون الموصوف بها حيًّا عليمًا قديرًا، بل دعوى شيء موجود قائم بنفسه قديم أو مُحْدَث عَرِيٌّ عن جميع الصفات ممتنعٌ في صريح العقل.

ولكن الجهمية المعتزلة وغيرهم؛ لما أثبتوا ذاتًا مجردةً عن الصفات صارَ مناظِرهم يقول: أنا أُثبتُ الصفات زائدةً على ما أثبتُّموه من الذات؛ أي: لا أقتصر على مُجَرَّد إِثْبات ذات بلا صفات، ولم يَعْنِ بذلك أَنَّهُ في الخارج ذات ثابتة بنفسها، ولا مع ذلك صفات هي زائدة على هذه الذات متميزة عن الذات.

(1) يعني: الجهمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت