وقال أَصْبَغُ بنُ الفَرَج: مَنْ كَذَّبَ ببعضِ القرآنِ فقد كَذَّبَ به كلِّه، ومَنْ كَذَّبَ به: فقد كَفَرَ به، ومَن كَفَرَ به: فقد كَفَرَ بالله.
وقد سُئِلَ القَابِسيُّ عَمَّنْ خَاصَمَ يهوديًا فحلفَ له بالتوراةِ، فقال الآخرُ: لَعَنَ الله التوراةَ، فشَهِدَ عليه بذلكَ شاهدٌ ثم شَهِدَ آخرُ أَنَّه سأَلَهُ عن القضيةِ؛ فقال: إِنَّما لَعَنْتُ توراةَ اليهودِ، فقال أبو الحسن [1] : الشاهدُ الواحد لا يُوجِبُ القتلُ، والثاني عَلَّقَ الأمرَ بصفةٍ تحتملُ التأويلَ؛ إِذْ لعلَّهُ لا يَرَى اليهودَ مُتَمَسِّكِينَ بشيءٍ مِنْ عند الله؛ لتبدِيلِهِمْ وتحرِيْفِهِمْ، ولو اتَّفَقَ الشاهدانِ على لعن التوراةِ مُجَرَدًّا لضاقَ التأويلُ.
وقد اتَّفَقَ فقهاءُ بغدادَ على استتابةِ ابن شَنْبُوذَ الْمُقْرِيءِ أحدِ أئمةِ الْمُقْرِئينَ الْمُتَصَدِّرينَ بها معَ ابنِ مجاهدٍ؛ لِقِرَاءتهِ وإِقْرَائِهِ بِشَوَاذٍّ مِن الحروفِ، مما ليسَ في المصحفِ، وعَقَدوا عليه بالرجوعِ عنه، والتوبةِ منه سِجِلًّا أَشْهَدَ فيه بذلك على نفسِه في مجلسِ الوزيرِ أبى عليِّ بنِ مُقْلَةَ سنةَ ثلاثٍ وعشرين وثلاثمائةٍ وكان فيمَنْ أَفْتَى عليهِ بذلك أبو بكرٍ الأَبْهَرِيُّ وغيره.
وأَفْتَي أبو محمدٍ بنُ أبى زَيْدٍ بالأدبِ فيمَنْ قال لصبيٍّ: لَعَنَ اللهَ مُعَلِّمَكَ وما عَلَّمَكَ، وقال [2] : أردتُ سوءَ الأدبِ ولم أُرِدِ القرآنَ، قال أبو محمدٍ: وأمَّا مَنْ لَعَنَ المصحفَ فإِنَّهُ يُقْتَلُ [3] ) أهـ
وقال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى:
(( باب ما جاء مِن الحجةِ في الرَّدِّ على مَنْ طعنَ في القرآنِ وخالَفَ مصحف عثمان بالزيادة والنقصان: لا خلاف بين الأمة، ولا بين الأئمة أهل السنة؛ أن القرآن اسمٌ لكلام الله تعالى الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - معجزةً له على نحو ما تقدم، وأنه محفوظٌ في الصدور، مقروءٌ بالألسنة، مكتوبٌ في المصاحف، معلومةٌ على الاضطرارِ سورُه وآياتُه، مبرأةٌ مِن الزيادةِ والنقصانِ حروفُه وكلماتُه، فلا يحتاج في تعريفه بحَدٍّ، ولا في حَصْرِهِ بِعَدٍّ، فمَنِ ادَّعَى زيادةً عليه أو نقصانًا منه فقد أبطلَ الإجماع، وبَهَتَ الناسَ، ورَدَّ ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - مِنَ القرآن المنزل عليه، ورَدَّ قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء:88] ، وأبطل آيةَ رسولهِ - عليه السلام -؛ لأنَّه إِذْ ذاكَ يصير القرآن مقدورًا عليه حين شِيبَ بالباطل، ولما قُدِرَ عليه لم يكن حجة ولا آية، وخرج عن أَنْ يكون مُعْجِزًا، فالقائل: إِنَّ القرآنَ فيه زيادةٌ ونقصانٌ رَادٌّ لكتابِ الله، ولما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكان كمن قال: الصلوات المفروضات خمسون صلاة،
(1) وهو القابِسي.
(2) يعني: مَنْ لعَنَ الصبي.
(3) السابق (2/ 263 - 265) .