سليمها مِنْ كل زللٍ وخللٍ؛ فقد قضوا على أنفسِهم بالكفر حين زادوا فيه: (فليس له اليوم هاهنا حميم وليس له شراب إلا مِن غسلين مِن عين تجري مِن تحت الجحيم) ، فأي زيادةٍ في القرآن أوضح مِن هذه؟ وكيف تُخْلَطُ بالقرآن وقد حرسَهُ الله منها؟ ومنعَ كلَّ مفترٍ ومُبْطِلٍ مِنْ أَنْ يُلْحِق به مثلها؟ [1] » أهـ
ثم استطردَ ابن الأنباري رحمه الله في بيان فساد الزيادة المذكورة، وبيان معنى الآية (( فيما أَنْزَلَ الله تبارك وتعالى على الصحَّةِ في القرآنِ الذي مَن خالفَ حرفًا منه كَفَرَ ) )على حَدِّ تعبيره.
فظهر مِنْ هذا كله:
-أَنَّ القرآنَ مُعْجِزٌ مِنْ كل جهاته، غيرُ مَقْدورٍ على الإِتْيانِ بِمِثْلِه، بوجهٍ من الوجوه.
-وأَنَّهُ مُنَزَّهُ عن النَّقْدِ والطَّعْنِ في حروفه ونظمه ومعانيه، وكافة وجوهه.
-وأَنَّ التعرُّضَ لبعضهِ بنقدٍ يعني التعرُّضَ له جميعًا.
-وأَنَّ مَنِ اعتقدَ القدرة على مثله وأنَّهُ غير مُعْجِزٍ: فقد كفرَ بلا خلافٍ.
ولا يزال الناس في انبهارٍ دائمٍ بالقرآن المقدَّس منذ نزوله وإلى أن يشاء الله سبحانه وتعالى.
وانظر إلى قول الأديب الأريب الأستاذ سيد قطب رحمه الله، حين يقول في مقدمة تفسيره لسورة (( الرعد ) ): (( كثيرًا ما أقف أمام النصوص القرآنية وقفة المتهيب أن أمسها بأسلوبي البشري القاصر المتحرِّج أن أشوبها بأسلوبي البشري الفاني، ولكن ماذا أصنع ونحن في جيل لا بد أن يقدم له القرآن مع الكثير من الإيضاح، ومع هذا كله يصيبني رهبة ورعشة كلما تصدَّيْتُ للترجمة عن هذا القرآن ) ) [2] .
وقد أشار الله عز وجل في مواضع من كتابه العزيز إلى كثيرٍ من صفات القرآن الأصيلة، ودلائل إعجازه، وبراهين عظمته، فوصفَه سبحانه وتعالى بالمبين والحكيم والمنير والنور والمبارك، وغيرها من الصفاتِ الْعَلِيَّةِ، ونفى عنه الريب والشكّ والاختلاف، وغيرها من الصفات المشينة، كما نَزَّهَهُ اللهُ عز وجل وبرَّأَهُ من مشابهة أقوال الشعراء والكُهَّان.
وطَالَبَ اللهُ سبحانه وتعالى الناسَ بالتَّدبُّر في آياتِ كتابه،.
وتحدَّى به سبحانه وتعالى الناس كلهم، ونفى قُدْرَتهم على المجيء بمثله، أو بعضه، ولو اجتهدوا في ذلك، وجمعوا أنصارهم وشهداءهم، وطالَبَهُمُ الله سبحانه وتعالى بالتَّدبُّرِ فيه، والنظر في آياته، متحدِّيًا لهم أن يجدوا
(1) (( تفسير القرطبي ) ) (1/ 80 - 85) .
(2) (( في ظلال القرآن ) ) (4/ 2038) .