فهذه هي العلة الكامنة وراء إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت. وهذا هو الدافع الذي يدفعهم إلى الخروج من حد الإيمان وشرطه بإرادتهم التحاكم إلى الطاغوت! هذا هو الدافع يكشفه لهم. لعلهم يتنبهون فيرجعوا. ويكشفه للجماعة المسلمة , لتعرف من يحرك هؤلاء ويقف وراءهم كذلك.
ويمضي السياق في وصف حالهم إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول وما أنزل من قبله. . ذلك الذي يزعمون أنهم آمنوا به:
{وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول , رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} [النساء: 61] .
يا سبحان الله! إنَّ النفاق يَابَى إلا أن يكشفَ نفسه! ويأبى إلا أنْ يُنَاقِضَ بديهيات المنطق الفطري. . وإلا ما كان نفاقًا. . .
إنَّ المقتضى الفطري البديهي للإيمان , أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به , وإلى من آمن به. فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل , وبالرسول وما أنزل إليه. ثم دُعِيَ إلى هذا الذي آمَن به , ليتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه ; كانت التَّلْبِيه الكاملة هي البديهية الفطرية. فأَمَّا حين يصُدّ ويَابَى فهو يخالف البديهية الفطرية. ويكشف عن النفاق. ويُنْبِئ عن كذبِ الزَّعْم الذي زَعَمَهُ مِنَ الإيمان!
وإلى هذه البديهية الفطرية يحاكم الله سبحانه أولئك الذين يزعمون الإيمان بالله ورسوله. ثم لا يتحاكمون إلى منهج الله ورسوله. بل يصدون عن ذلك المنهج حين يُدْعَوْنَ إليه صدودًا!
ثم يَعْرِض مظهرًا من مظاهر النفاق في سلوكهم ; حين يقعون في ورطةٍ أو كارثة بسبب عدم تلبيتهم للدعوة إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ; أو بسبب ميلهم إلى التحاكم إلى الطاغوت. ومعاذيرهم عند ذلك. وهي معاذير النفاق:
{فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله: إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} [النساء: 62] . .
وهذه المصيبة قد تصيبهم بسبب انكشاف أمرهم في وسط الجماعة المسلمة - يومذاك - حيث يصبحون معرضين للنبذ والمقاطعة والازدراء في الوسط المسلم. فما يطيق المجتمع المسلم أَنْ يرى مِنْ بينه ناسًا يزعمون أنهم آمنوا بالله وما أُنْزِلَ , وبالرسولِ وما أُنْزِلَ إليه، ثم يميلون إلى التحاكم لغير شريعة الله ; أو يصدون حين يدعون إلى التحاكم إليها. . إنما يقبل مثل هذا في مجتمع لا إسلام له ولا إيمان. وكل ما له من الإيمان زعم كزعم هؤلاء ; وكل ما له من الإسلام دعوى وأسماء!
أو قد تصيبهم المصيبة من ظلم يقع بهم ; نتيجة التحاكم إلى غير نظام الله العادل، ويعودون بالخيبة والندامة من الاحتكام إلى الطاغوت ; في قضية من قضاياهم.