أو قد تصيبهم المصيبة ابتلاء من الله لهم. لعلهم يتفكرون ويهتدون. .
وأَيًّا ما كان سبب المصيبة ; فالنص القرآني , يسأل مستنكرا: فكيف يكون الحال حينئذ! كيف يعودون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:
{يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} [النساء: 62] . . .
إنها حال مخزية. . حين يعودون شاعرين بما فعلوا. . غير قادرين على مواجهة الرسول صلى الله عليه وسلم بحقيقة دوافعهم. وفي الوقت ذاته يحلفون كاذبين: أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت - وقد يكون هذا هو عُرف الجاهلية - إلا رغبة في الإحسان والتوفيق! وهي دائمًا دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وشريعته: أنهم يريدون اتِّقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب , التي تنشأ من الاحتكام إلى شريعة الله! ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة والعقائد المختلفة. . إنها حجة الذين يزعمون الإيمان - وهم غير مؤمنين - وحجة المنافقين الملتوين. . هي هي دائمًا وفي كل حين!
والله سبحانه يكشف عنهم هذا الرداء المستعار. ويخبر رسوله صلى الله عليه وسلم, أنه يعلم حقيقة ما تنطوي عليه جوانحهم. ومع هذا يوجهه إلى أخذهم بالرفق , والنصح لهم بالكفِّ عن هذا الالتواء:
{أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم. فأعرض عنهم وعظهم , وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} [النساء: 63] . .
أولئك الذين يخفون حقيقة نواياهم وبواعثهم ; ويحتجون بهذه الحجج , ويعتذرون بهذه المعاذير. والله يعلم خبايا الضمائر ومكنونات الصدور. . ولكن السياسة التي كانت مُتَّبَعَة - في ذلك الوقت - مع المنافقين كانت هي الإغضاء عنهم , وأخذهم بالرفق , واطراد الموعظة والتعليم. .
والتعبير العجيب:
{وقل لهم. . في أنفسهم. . قولا بليغًا} [النساء: 63] .
تعبير مصور. . كأنما القول يُودَع مباشرة في الأنفس , ويستقر مباشرة في القلوب.
وهو يرغِّبهم في العودة والتوبة والاستقامة والاطمئنان إلى كَنَفِ الله وكَنَفِ رسوله. . بعد كل ما بدا منهم من الميل إلى الاحتكام إلى الطاغوت ; ومن الصدود عن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يدعون إلى التحاكم إلى الله والرسول. . فالتوبة بابها مفتوح , والعودة إلى الله لم يَفُتْ أوانها بعد ; واستغفارهم الله من الذنب , واستغفار الرسول لهم , فيه القبول! ولكنه قبل هذا كله يُقَرِّر القاعدة الأساسية: وهي أن الله قد أرسل رُسُلَه ليُطَاعوا - بإذنه - لا ليخالف عن أمرهم. ولا ليكونوا مجرد وعاظ! ومجرد مرشدين!